يَغْفِرْ لَكُم جزم «يَغْفِرْ » لجواب الأمر.
قوله : مِّن ذُنُوبِكُمْ . في «مِنْ » هذه أوجه :
أحدها : أنَّها تبعيضية.
الثاني : أنَّها لابتداء الغايةِ.
الثالث : أنَّها لبيان الجنسِ، وهو مردود لعدم تقدم ما تبينُه.
الرابع : أنَّها مزيدةٌ. قال ابن عطية : وهو مذهب كوفيٌّ.
قال شهاب الدين١ : ليس مذهبهم ذلك ؛ لأنهم يشترطون تنكير مجرورها، ولا يشترطون غيره. والأخفش لا يشترط شيئاً، فزيادتُها هنا ماشٍ على قوله لا على قولهم.
قال القرطبي٢ : وقيل : لا يصح كونها زائدة ؛ لأن «مِنْ » لا تزاد في الواجب، وإنما هي هنا للتبعيض، وهو بعض الذنوب، وهو ما لا يتعلق بحقوق المخلوقين.
وقال زيد بن أسلم : المعنى يُخرِجُكم من ذنوبكم٣.
وقال ابن شجرة : المعنى يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها.
قوله : وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ .
قال الزمخشريُّ : فإن قلت : كيف قال :«يُؤخِّركُمْ » مع إخبارهِ بامتناع تأخيره ؟.
قلتُ : قضى الله أنَّ قوم نوحٍ إن آمنوا عمَّرهُم ألف سنةٍ، وإن بقُوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة، قيل لهم : إن آمنتم أخِّرتُم إلى الأجلِ الأطولِ، ثم أخبرهُم أنه إذا جاء ذلك الأجل الأمد لا يؤخَّرُ انتهى.
وقد تعلَّق بهذه الآية من يقول بالأجلين وتقدم جوابه.
وقال ابن عباسٍ : أي : ينسئ في أعماركم٤، ومعناه : أنَّ الله - تعالى - كان قضى قبل خلقهم، إنْ هم آمنوا بارك في أعمارهم وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب.
وقال مقاتل : يؤخركم إلى منتهى أعماركم في عافية فلا يعاقبكم بالقحطِ وغيره، فالمعنى على هذا : يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم٥.
وقال الزجاج :«أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير موتة المستأصلين بالعذاب ».
وعلى هذا قيل : أجل مسمى عندكم تعرفونه لا يميتكم غَرْقاً ولا حَرْقاً ولا قَتْلاً، ذكره الفراء. وعلى القول الأول أجل مسمى عند الله.
قوله : إِنَّ أَجَلَ الله إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ ، أي : إذا جاء الموتُ لا يؤخَّر بعذاب كان، أو بغير عذاب، وأضاف الأجلَ إليه سبحانه ؛ لأنه الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله تعالى : إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ [ يونس : ٤٩ ] ؛ لأنه مضروبٌ لهم، و «لَوْ » بمعنى «إنْ » أي : إن كنتم تعلمون.
وقال الحسن : معناه : لو كنتم تعلمون لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يُؤخَّرُ٦.
وعلى هذا يكون جوابُ «لَوْ » محذوفاً تقديره : لبادرتم إلى ما أمركم به أو لعلمتم كما قال الحسن.
٢ ينظر الجامع لأحكام القرآن ١٨/١٩٤..
٣ ينظر تفسير الماوردي (٦/٩٨) والقرطبي (١٨/١٩٣)..
٤ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٩٤)..
٥ ينظر تفسير القرطبي (١٨/١٩٤)..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٤٧) عن مجاهد بمعناه. وذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٩٤) عن الحسن..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود