يغفرْ لكم من ذنوبكم أي : بعض ذنوبكم، وهو ما سلف في الجاهلية، فإنَّ الإسلام يَجُبُّه، إلاّ حقوق العباد ؛ فإنه يؤديها، وقيل :" مَن " لبيان الجنس، كقوله : فَاجْتَنِبُواْ الرِجْسَ مَنَ الأَوْثَانِ [ الحج : ٣٠ ]. قال ابن عطية : وكونها للتبعيض أبين ؛ لكونه لو قال : يغفر لكم ذنوبكم ؛ لعَمّ هذا اللفظ ما تقدّم به من الذنوب وما تأخر عن إيمانهم، والإسلام إنما يَجُب ما قبله. ه. قال القشيري : ولأنه لو أخبرهم بغفران ما تقدّم وما تأخّر لكان إغراءً لهم، وذلك لا يجوز. ه. ويُؤخِّرْكُم إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى وهو وقت موتكم، فتموتون عند انقضاء آجالكم الذي تعرفونه من غير غرق ولا هلاك استئصال، فإن لم تؤمنوا عاجَلَكم بالعذاب، فيكون هو آجالكم، ولمّا كان ربما يتوهم أنَّ الأجل قد يتقدّم، رَفَعَه بقوله : إنَّ أَجَلَ اللهِ وهو الموت عند تمام الأجل إِذا جاء لا يُؤخَّرُ لو كنتم تعلمون أي : لو كنتم تعلمون لسارعتم إلى الإيمان قبل مجيئه، فلا حُجة فيه للمعتزلة. وانظر ابن جزي.
الإشارة : قال القشيري : إنَّا أرسلنا الروح إلى قومه، وهم : النفس والهوى وصفاتهم الظلمانية الطبيعية ؛ أن أنذرهم عن المخالفة الشرعية، مِن قبل أن يأتيهم عذاب القطيعة، قال : يا قوم إني لكم نذير بيِّن الإنذار، أن اعبُدوا الله، بأن تُحبوه وحده، ولا تُحبُّوا معه غيره، من الدنيا، وشهواتها وزخارفها، واتقوا بأن لا تروا معه سواه، وأطيعوني في أقوالي وأفعالي وأخلاقي وصفاتي، يغفر لكم ذنوب وجودكم، فيُغطيه بنور وجوده، ويُؤخركم إلى أجلٍ مسمى، بتسْمية الأزل، إنَّ أجل الله بالموت الحسي والمعنوي، لا يُؤخَّر، لو كنتم تعلمون، لكن انهماككم في حب الدنيا بعّد عنكم الأجل. هـ. بالمعنى.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي