يغفر لكم مجزوم على جواب الأمر فإن الإيمان والطاعة سبب للمغفرة، عن عمرو بن العاص قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ابسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه فقبضت يديه فقال :( مالك يا عمر ؟ قلت : أردت أن أشترط، قال : تشترط ماذا ؟ قلت : أن يغفر لي، قال : أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله )١ رواه مسلم، وعن معاذ قال كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل فقال :( يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله ؟ قلت : الله ورسوله أعلم، قال : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، فقلت : يا رسول الله أفلا أبشر به الناس ؟ قال : لا تبشرهم فيتكلوا )٢ متفق عليه، وعن أنس هذه القصة نحوه وفيه فأخبر بها معاذ عند موته تاثما متفق عليه من ذنوبكم من زائدة أو للتبعيض أي بعض ذنوبكم يعني ما هو حق الله تعالى ويؤخركم أي يعافيكم فلا يعاقبكم إلى أجل مسمى هو أقصى ما قدر لكم بشرط الإيمان والطاعة.
مسألة :
اعلم أن القضاء على نوعين قضاء مبرم ومعلق فالمعلق ما كتب في اللوح المحفوظ أن فلانا إن أطاع الله تعالى عوفي إلى مدة كذا مثلا وإن عصى الله يرسل عليه الطوفان مثلا أو غير ذلك وهذا النوع من القضاء يجوز تبديله بفقدان الشرط وهو معنى قوله تعالى : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ٣٩ ٣ وعن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر )٤ رواه الترمذي، والمبرم وهو المراد بقوله تعالى : لا تبديل لكلمات الله ٥. إن أجل الله أي الأجل الذي قدره الله تعالى إذا جاء على الوجه المقدر به لا يؤخر فأما المبرم فلا يؤخر قط أما المعلق فلا يؤخر إن جاء على ما علق به فبادروا بالطاعات في أوقات الإمهال والتأخير قبل الأجل المبرم ولا ترتكبوا المعاصي الموجبة للتعذيب المفضية إلى الأجل المعلق. فإن قيل مذهب أهل السنة أن الأجل واحد لا يزيد ولا ينقص حتى قالوا المقتول ميت بأجله وما ورد في الحديث ( لا يزيد في العمر إلا البر ) تأويله عندهم أن البر يزيد بركات العمر بكثرة الثواب وما ذكرت يشبه مذهب المعتزلة ؟ قلنا : ليس كذلك بل المعتزلة ينكرون القدر ويجعلون القاتلون خالقا لموت المقتول ما ذكرت هو مذهب أهل السنة فإن معنى قولهم الأجل واحد لا يزيد ولا ينقص هو الأجل الثابت بالقضاء المبرم لا تبديل فيه لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون والمقتول ميت بأجله المبرم وإن كان التعليق في اللوح المحفوظ أنه إن قتله فلان مات وإلا لم يمت لكنه المبرم في القضاء أنه يقتله فلان البتة وأنه يموت في ذلك الوقت بقتله البتة ولا يوجد شرط بقاءه بعد ذلك الوقت البتة لا حاجة إلى تأويل الحديث، عن أبي خزامة عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى بها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا ؟ قال :( هي من قدر الله )٦ رواه أحمد والترمذي وابن ماجه يعني أن الله تعالى قدر أنه يتداوى فيحصل له الشفاء بالدواء لو كنتم تعلمون يعني لو كنتم من أهل العلم والنظر لمصلحتهم وفيه أنهم لانهماكهم في الشهوات كأنهم كانوا شاكين في الموت، قال ابن عباس بعث نوح وهو ابن أربعين وعاش بعد الطوفان ستين سنة، وقال مقاتل : بعث وهو ابن مائة سنة وقيل : ابن خمسين سنة وقيل : مائتين وخمسين سنة وكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة ولا شك في أنه لبث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: اسم الفرس والحمار (٢٨٥٦)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة (٣٠)..
٣ سورة الرعد، الآية ٣٩..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب: ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء (٢١٣٩)..
٥ سورة يونس، الآية ٦٤..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: الطب، باب: ما جاء في الرقى والأدوية (٢٠٦٥)، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الطب، باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء (٣٤٣٧)..
التفسير المظهري
المظهري