وقوله : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين :
أحدهما : وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها، لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا أي : كثيرًا. والمراد بذلك سَعَة الرزق. كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : ٦٦ ] وكقوله : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ [ الأعراف : ٩٦ ] وعلى هذا يكون معنى قوله : لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
أي : لنختبرهم، كما قال مالك، عن زيد بن أسلم : لِنَفْتِنَهُمْ لنبتليهم، من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية ؟.
ذكر من قال بهذا القول : قال العوفي، عن ابن عباس : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ يعني بالاستقامة : الطاعة. وقال مجاهد : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ قال : الإسلام. وكذا قال سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والسدي، ومحمد بن كعب القرظي.
وقال قتادة : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ يقول : لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا.
وقال مجاهد : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ أي : طريقة الحق. وكذا قال الضحاك، واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله : لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي لنبتليهم به.
وقال مقاتل : فنزلت في كفار قريش حين مُنعوا المطر سبع سنين.
والقول الثاني : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ الضلالة لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا أي : لأوسعنا عليهم الرزق استدراجا، كما قال : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [ الأنعام : ٤٤ ] وكقوله : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ [ المؤمنون : ٥٥، ٥٦ ] وهذا قول أبي مِجلز لاحق بن حُمَيد ؛ فإنه في قوله : وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ أي : طريقة الضلالة. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وحكاه البغوي عن الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم، والكلبي، وابن كيسان. وله اتجاه، وتيأيد بقوله : لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
وقوله : وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا أي : عذابا شاقا شديدًا موجعًا مؤلما.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد : عَذَابًا صَعَدًا أي : مشقة لا راحة معها.
وعن ابن عباس : جبل في جهنم. وعن سعيد بن جبير : بئر فيها.
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة