ﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ

ومعنى : لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي : لنختبرهم هل يقومون بشكرها أم لا، وإن قلنا : إنَّ الضمير يعود على الإنس فالاحتمالان كما هما.
قوله : لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ، دليلٌ على أنه تبارك وتعالى يضل عباده. وأجاب المعتزلة، بأنَّ الفتنة هي الاختبار، كما يقال : فتنت الذهب بالنار لا خلق الضلالة.
واستدلت المعتزلة بقوله تعالى لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ على أنه تعالى إنما يفعل لغرض.
وأجيبوا : بأن الفتنة بالاتفاق ليست مقصودة فدلَّت هذه الآية على أن اللام ليست للغرض في حق الله تبارك وتعالى.

فصل في التحذير من الدنيا


روى مسلمُ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أخْوفُ ما أخَافُ عليْكمْ ما يُخْرجُ اللَّهُ لكم مِنْ زهرةِ الدُّنيَا " قالوا : ومَا زَهْرةُ الدُّنيَا ؟.
قال :" بَركَاتُ الأرْضِ " ١. وذكر الحديث »
وقال - عليه الصلاة والسلام - :«فواللَّهِ مَا الفَقْرَ أخْشَى عليْكُم، وإنَّما أخْشَى علَيكُمْ أنْ يبسِطَ اللَّهُ عَليكُم الدُّنْيَا فتَنَافَسُوا فيها كما تَنَافَسَ فِيهَا مَنْ كَانَ قَبلكُمْ، فيُهلِكَكُمْ كَمَا أهْلَكَهُمْ ». ٢
قوله : وَمَن يُعِرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ ، أي : عن عبادته، أو عن موعظته، أو عن وحيه.
وقال ابن زيدٍ : يعني القرآن٣، وفي إعراضه وجهان :
الأول : عن القبول إن قيل إنها في الكفار والثاني عن العمل، إن قيل إنَّها في أهل الإيمان.
وقيل : وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ ، أي : لم يشكره.
قوله : يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً .
قرأ الكوفيون٤ :«يَسْلكْهُ » - بياء الغيبة - لإعادة الضمير على الله تعالى، وباقي السبعة : بنون العظمة على الالتفات.
وهذا كما تقدم في قوله تعالى : سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ، ثم قال : بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [ الإسراء : ١ ].
وقرأ مسلم بن جندب٥ :«نسلكه » بنون العظمة مضمومة من «أسلكه ». وبعضهم٦ : بالياء من تحت مضمومة، وهما لغتان، يقال : سلكه وأسلكه.
وأنشد :[ البسيط ]
٤٩١١ - حَتَّى إذَا أسْلكُوهُم فِي قَتائِدَةٍ٧ ***. . .
و «سلك، وأسلك » يجوز أن يكونا فيهما ضُمِّنا معنى الإدخال، فلذلك يتعديان لاثنين ويجوز أن يقال : يتعديان إلى أحد المفعولين، بإسقاط الخافض، كقوله تعالى : واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ [ الأعراف : ١٥٥ ].
فالمعنى : ندخله عذاباً، أو نسلكه في عذابٍ، هذا إذا قلنا : إن «صَعَداً » مصدر.
قال الزمخشريُّ : يقال : صَعَداً وصُعُوداً، فوصف به العذاب لأنه يتصعد للمعذب، أي : يعلوه، ويغلبه، فلا يطيقه، ومنه قول عمر - رضي الله عنه - : ما تصعد شيء ما تصعدتني خطبةُ النِّكاح يقول : ما شقَّ عليَّ، ولا غلبني.
وأما إذا جعلناه اسماً لصخرة في جهنم، كما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره، فيجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون «صعداً » مفعولاً به أي «يسلكه » في هذا الموضع ويكون «عذاباً » مفعولاً من أجله.
الثاني : أن يكون «عذاباً » مفعولاً ثانياً كما تقدم، و «صعداً » بدلاً من عذاباً، ولكن على حذف مضاف أي : عذاب صعد، وقرأ العامة بفتحتين، وقرأ ابن عباس والحسن بضم الصاد وفتح العين، وهو صفة تقتضي المبالغة كحُطَم ولُبَد، وقرئ بضمتينِ وهو وصف أيضاً ك «جُنُب » و «شُلُل ».

فصل


ومعنى عذاباً صعداً : أي شاقاً شديداً.
[ وقيل عن ابن عباس :] هو جبل في جهنم٨، قال الخدريُّ : كلما جعلوا أيديهم عليه ذابت٩.
وعن ابن عباس : إن المعنى مشقّة من العذاب١٠، لأن الصعد في اللغة هو المشقة، تقول : تصعدني الأمر إذا شقَّ عليك، ومنه قول عمر المتقدم، والمشي في الصعود يشق، وصعود العقبة الكئودِ.
وقال عكرمةُ : هي صخرة في جهنم ملساء يكلف صعودها، فإذا انتهى إلى أعلاها حُدِر إلى جهنم.
وقال : يكُلَّفُ الوليدُ بن المغيرة أن يصعد جبلاً في النار من صخرةٍ ملساءَ يجذب من أمامه بسلاسل، ويضرب من خلفه بمقامع، حتَّى يبلغ أعلاها ولا يبلغ في أربعين سنة فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم يكلف صعودها، فذلك دأبه أبداً، وهو قوله : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً [ المدثر : ١٧ ].
١ أخرجه مسلم (٢/٧٢٨) من حديث أبي سعيد الخدري..
٢ أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٢/٥٣٩)..
٣ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١١٨) والقرطبي (١٩/٢١٤)..
٤ ينظر: السبعة ٦٥٦، والحجة ٦/٣٣٢-٣٣٣، وإعراب القراءات ٢/٤٠١، وحجة القراءات ٧٢٩..
٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٤٥، والدر المصون ٦/٣٩٥..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٨٣، والبحر المحيط ٨/٣٤٥، والدر المصون ٦/٣٩٥..
٧ تقدم..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٧٠) والحاكم (٢/٥٠٤) من طريق عكرمة عن ابن عباس.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٣٦) وزاد نسبته إلى هناد وعبد بن حميد وابن المنذر..

٩ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/١٤)..
١٠ ينظر المصدر السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية