لنفتنهم فيه متعلق بأسقيناهم أي لنختبرهم كيف شكرهم وهذا التأويل قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والضحاك وقتادة ومقاتل والحسن، وقيل : معناه أن لو استقاموا على طريقة الكفر لأعطيناهم مالا كثيرا لنفتنهم فيه عقوبة لهم واستدراجا حتى يفتنوا بها فتذهب بهم نحو قوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ١ وهذا قول الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان وهذا القول ليس بسديد وإلا يلزم أن يكون الكفر موجبا لسعة الرزق وحسن المعيشة ويأبى ذلك قوله تعالى : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ٢ الآية وقوله تعالى : ولو أن أهل القرى آمنوا ٣ الآية وكذا قوله تعالى : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سقفا من فضة ٤ الآية فإن كلمة لولا لامتناع الثاني لا لأجل امتناع الأولى وأما قوله تعالى : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ٥ واقعة حال ماضي لا يدل على العموم وإلا يلزم التعارض فيما لا يحتمل النسخ وأيضا وقائع أهل مكة حالة على صحة التأويل الأول دون الثاني فإن أبا جهل وغيره من كفار مكة الذين لم يؤمنوا ابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا الروث لم قتلوا ببدر في أقبح حال والذين آمنوا مع النبي صلى الله عليه وسلم واستقاموا على الطريق أعطاهم الله ملك كسرى وقيصر وغيرهما وأيضا يدل على صحة التأويل الأول مقابلته بقوله تعالى : ومن يعرض عن ذكر ربه حيث حكم بلزوم العذاب بالإعراض عن الذكر وذلك يقتضي الحكم بضد ذلك أي بحسن العيش على هذا الإعراض وهو المراد بالاستقامة على الشريعة كما هو عادة الله سبحانه في كتابه والله تعالى أعلم يسلكه قرأ أهل كوفة ويعقوب بالياء على الغيبة أي يدخله ربه وآخرون بالنون على التكلم عذابا صعدا شاقا يعلو المعذب ويغلبه صعد وصف به والمراد بالعذاب منها إما عذاب الدنيا أو عذاب القبر أو عذاب الآخرة وكذلك في قوله تعالى : ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ١٢٤ ٦ والظاهر أن المراد ها هنا عذاب الدنيا بدليل المقابلة وكذلك من ضنك المعيشة هنالك لعطف قوله ونحشره كما أن المراد بالحياة الطيبة في قوله تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ٧ روي عن ابن عباس أنه قال : كل مال قل أو كثر فلم معايشهم فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة وإن قوما أعرضوا عن الحق وكانوا أول سعة من الدنيا مكثرين فكانت معيشتهم ضنكا وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف عليهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله، وقال سعيد بن جبير تسلبه القناعة حتى لا يشبع، قلت : وهذا الأمر ظاهر فإن أهل الدنيا لما سلب منهم القناعة فهم دائمون في جد واجتهاد لأجل اكتساب المال وحفظ خائفون على فواته متحاسدون متباغضون فيما بينهم لأجله غير آمنين على أنفسهم لكثرة الأعداء والحساد ولا شك أن هذا عذاب صعد ومعيشة ضنك ولو يعلمون ما للصوفية من الحياة الطيبة وطمأنينة القلب بذكر الله وشرح الصدور ورفع الحاجة بالقليل والاستغناء عن الخلق والشفقة على خلق الله تعالى كلهم أجمعين والشكر والسرور في الضراء رجاء لكفارة المعاصي وحسن الجزاء فضلا عن الرخاء والسراء ليتحاسدوهم على ذلك والله يؤتي من يشاء من الدنيا والآخرة.
٢ سورة المائدة، الآية: ٦٦..
٣ سورة الأعراف، الآية: ٩٦..
٤ سورة الزخرف، الآية: ٣٣..
٥ سورة الأنعام، الآية: ٤٤..
٦ سورة طه، الآية: ١٢٤..
٧ سورة النحل، الآية: ٩٧..
التفسير المظهري
المظهري