قوله : وَأَنَّهُ تعالى . قرأ الأخوان وابن عامر وحفص : بفتح «أنَّ »، وما عطف عليها بالواو في اثنتي عشرة كلمة، والباقون(١) : بالكسر.
وقرأ أبو بكر(٢) وابن عامرٍ :«وإنَّهُ لمَّا قَامَ عبد الله يدعوه » بالكسر، والباقون : بالفتح.
واتفقوا على الفتح في قوله تعالى : وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ .
وتلخيص هذا أن «أنَّ » المشددة في هذه السورة على ثلاثة أقسام :
قسم : ليس معه واو العطف، فهذا لا خلاف بين القراء في فتحه أو كسره على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية، كقوله قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مِّنَ الجن ، لا خلاف في فتحه لوقوعه موقع المصدر، وكقوله إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ، لا خلاف في كسره لأنه محكي بالقول.
القسم الثاني : أن يقترن بالواو، وهو أربع عشرة كلمة، إحداها : لا خلاف في فتحها وهو قوله : وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ وهذا هو القسمُ الثاني.
والثالث :«وأنه لما قام » يكسرها ابن عامر وأبو بكر، وفتحها الباقون. كما تقدم تحرير ذلك كله.
والاثنتا عشرة : وهي قوله وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ [ الجن : ٣ ]، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ [ الجن : ٤ ]، وَأَنَّا ظَنَنَّا [ الجن : ٥ ]، وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ [ الجن : ٦ ]، وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ [ الجن : ٧ ]، وَأَنَّا لَمَسْنَا [ الجن : ٨ ]، وَأَنَّأ كُنَّا [ الجن : ٩ ]، وَأَنَّا لاَ ندري [ الجن : ١٠ ]، وَأَنَّا مِنَّا الصالحون [ الجن : ١١ ]، وَأَنَّا ظَنَنّا [ الجن : ١٢ ]، وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا [ الجن : ١٣ ]، وَأَنَّا مِنَّا المسلمون [ الجن : ١٤ ].
فهذا ضبطها من حيثُ القراءات، وأما توجيه ذلك فاختلف الناسُ فيه.
فقال أبو حاتم في الفتح : هو معطوف على مرفوع «أوحِيَ »، فتكون كلها في موضع رفع لما لم يسم فاعله.
ورد ذلك من حيث أنَّ أكثرها لا يصح دخولها تحت معمول «أوحِيَ »، ألا ترى أنه لو قيل «أوحي إلينا أنا لمسنا السماء، وأنا كنا، وأنا لا ندري وأنا منا الصالحون، وأنا لما سمعنا الهدى، وأنا منا المسلمون » لم يستقم معناه.
وقال مكيٌّ : وعطف «أن » على «آمنَّا بِهِ » أتم في المعنى من العطف على «أنَّهُ اسْتمَعَ » لأنَّك لو عطفت «وأنا ظننا، وأنا لما سمعنا، وأنه كان رجال من الإنس، وأنا لمسنا » وشبه ذلك على «أنَّهُ اسْتمَعَ » لم يجز ؛ لأنه ليس مما أوحي إليه إنَّما هو أمر أخبروا به عن أنفسهم، والكسر في هذا أبينُ وعليه جماعة من القُرَّاءِ.
الثاني : أن الفتح في ذلك عطف على محل «بِهِ » من «آمنَّا بِهِ ».
قال الزمخشريُّ :«كأنه قال : صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وأنه يقول سفيهنا، وكذلك البواقي ».
إلا أن مكياً ضعف هذا الوجه فقال :«والفتح في ذلك على الجمل على معنى :" آمنَّا بِهِ "، فيه بعدٌ في المعنى ؛ لأنهم لم يخبروا أنهم آمنوا، بأنهم لما سمعوا الهدى آمنوا به، ولم يخبروا أنَّهم آمنوا أنه كان رجال، إنما حكى الله عنهم أنهم قالوا ذلك مخبرين به عن أنفسهم لأصحابهم، فالكسر أولى بذلك »
وهذا الذي قاله غير لازم، فإن المعنى على ذلك صحيح، وقد سبق الزمخشري إلى هذا التخريج الفرَّاء والزجاج، إلا أن الفراء استشعر إشكالاً وانفصل عنه، فإنه قال : فتحت «أن » لوقوع الإيمان عليها، وأنت تجد الإيمان يحسن في بعض ما فتح دون بعض فلا يمنع من إمضائهن على الفتح، فإنه يحسن فيه ما يوجب فتح «أن » نحو : صدقنا، وشهدنا، كما قالت العرب :[ الوافر ]
٤٨٩٣ - وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا(٣) ***. . .
فنصب «العيونَ » لإتباعها «الحواجب »، وهي لا تزجج إنما تكحل، فأضمر لها الكحل. انتهى فأشار إلى شيء مما ذكره وأجاب عنه.
وقال الزجاج :«لكن وجهه أن يكون محمولاً على " آمنَّا بِهِ " وصدقناه وعلمناه، فيكون المعنى : صدقنا أنه تعالى جد ربِّنا ما اتخذ صاحبة ».
الثالث : أنه معطوف على الهاء في «بِهِ »، أي : آمنا به وبأنه تعالى جد ربنا، وبأنه كان يقول - إلى آخره - وهو مذهب الكوفيين.
وهو، وإن كان قوياً من حيثُ المعنى، إلا أنه ممنوع من حيث الصناعة لأنه لا يعطف على الضمير المجرور، إلا بإعادة الجار.
وتقدم تحرير هذين القولين في سورة «البقرة » عند قوله : وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام [ البقرة : ٢١٧ ].
على أن مكياً قد قوى هذا المدرك، وهو حسن جداً، فقال : هو يعني العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار في «أن » أجود منه في غيرها لكثرة حذف حرف الجر «إلى » مع «أن ».
ووجه الكسر : العطف على «إن » في قوله :«إنَّا سَمعْنَا » فيكون الجميع معمولاً للقول فقالوا :«إنَّا سَمِعْنَا »، وقالوا :«إنَّه تعَالى جَدُّ ربِّنَا » إلى آخرها.
وقال بعضهم : الجملتان من قوله تعالى : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس ، وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ معترضتان بين قول الجن، وهما من كلام الباري تعالى.
والظاهر أنه من كلامهم قاله بعضهم لبعض.
ووجه الكسرِ والفتح في قوله : وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله ما تقدم.
ووجه إجماعهم على فتح وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ وجهان :
أحدهما : أنه معطوف على «أنَّه اسْتَمَعَ » فيكون موحى أيضاً.
والثاني : أنه على حذف حرف الجر، وذلك الحرف متعلق بفعل النهي، أي : فلا تدعوا مع الله أحدا، لأن المساجد لله. ذكرهما أبو البقاء.
وقال الزمخشريُّ :«أنَّهُ اسْتَمَع » - بالفتح - لأنه فاعل «أوْحِيَ »، و «إنَّا سَمِعْنَا » بالكسر لأنه مبتدأ، محكي بعد القول، ثُمَّ يحمل عليهما البواقي، فما كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجنِّ كسر، وكلهم من قولهم الثنتين الأخريين وهما :«وأن المساجد، وأنه لما قام عبد الله يدعوه »، ومن فتح كلهن، فعطفاً على محلّ الجار والمجرور في «آمنَّا بِهِ »، أي : صدقناه وصدقنا به.
والهاء في أَنَّهُ استمع نَفَرٌ ، وأنه تعالى وما بعد ذلك ضمير الأمر والشأن، وما بعده خبر «أن ».
قوله : جَدُّ رَبِّنَا . قرأ العامة : جَدّ رَبَّنَا بالفتح ل «رَبَّنَا ».
والمراد به هنا العظمة.
وقيل : قدرته وأمره.
وقيل : ذكره.
والجدُّ أيضاً : الحظُّ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :«وَلاَ ينفعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ » والجدُّ أيضاً : أبو الأب، والجدُّ أيضاً - بالكسر - ضد التواني في الأمر.
وقرأ عكرمة(٤) : بضم ياء «ربُّنا » وتنوين «جدٌّ » على أن يكون «ربنا » بدلاً من «جد ».
والجد : العظيمُ. كأنه قيل : وأنه تعالى عظم ربنا، فأبدل المعرفة من النكرة.
وعنه أيضاً(٥) :«جداً » على التمييز و «ربنا » فاعل ب «تعَالى »، وهو منقول من الفاعلية ؛ إذ التقدير :«جد ربنا » ثم صار تعالى ربنا جداً أي عظمة نحو تصبب زيداً عرقاً أي عرق زيد، وعنه أيضاً وعن قتادة كذلك إلا أنه بكسر الجيم، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه نعت لمصدر محذوف، وربنا فاعل ب «تعالى »، والتقدير : تعالى ربُّنا تعالياً جداً، أي : حقاً لا باطلاً.
والجِدُّ - بكسر الجيم - ضد الهزل.
والثاني : أنه منصوب على الحال، أي : تعالى ربنا حقيقة وتمكناً، قاله ابن عطية.
وقرأ حميد(٦) بن قيس :«جُدُّ ربِّنا » - بضم الجيم - مضافاً ل «ربِّنا »، وهو بمعنى العظيم حكاه سيبويه.
وهو في الأصل من إضافة الصفة لموصوفها، إذ الأصل : ربنا العظيم، نحو :«جرد قطيفة » الأصل : قطيفةُ جرد، وهو مؤولٌ عن البصريين.
وقرأ ابنُ السميقع(٧) :«جدا ربنا » بألف بعد الدال مضافاً ل «ربِّنا ».
والجَدَا والجدوى : النفع والعطاء، أي : تعالى عطاء ربِّنا ونفعه.
فصل في معنى «الجد »
قال القرطبيُّ(٨) : الجد في اللغة : العظمةُ والجلالُ، ومنه قول أنس - رضي الله عليه - :«كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا » أي : عظم وجل فمعنى «جَدُّ ربِّنَا » أي : عظمته وجلاله، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة(٩)، وعن مجاهد أيضاً : ذكره(١٠).
وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمةُ أيضاً : غناه(١١).
ومنه قيل للحظ جد ورجل مجدود : أي : محظوظ، وفي الحديث :«وَلا يَنْفَعُ ذَا الجدِّ منْكَ الجَدُّ »، قال أبو عبيد والخليل، أي ذا الغنى منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة.
وقال ابن عباس رضي الله عنه : قدرته(١٢) وقال الضحاك : فعله(١٣).
وقال القرظي والضحاك : آلاؤهُ ونعماؤه على خلقه(١٤).
وقال أبو عبيد والأخفش : ملكه وسلطانه.
وقال السدي : أمره(١٥).
وقال سعيد بن جبير : وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبِّنَا ، أي : تعالى ربنا.
وقيل : إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أبو الأب، ويكون هذا من الجنِّ.
وقال محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق والربيع : ليس لله تعالى جد وإنما قالته العرب للجهالة فلا يوحدونه(١٦).
قال القشيريُّ : ويجوز إطلاق لفظ الجدِّ في حق الله تعالى إذ لو لم يجز لما ذكر في القرآن، غير أنه لفظ موهم، فتجنُّبُه أولى.
قال القرطبيُّ(١٧) :«ومعنى الآية : وأنه تعالى جدُّ ربِّنا أن يتخذ ولداً أو صاحبة للاستئناس بهما، أو الحاجة إليهما، والربُّ يتعالى عن ذلك كما يتعالى عن الأنداد والنظراء ».
وقوله عز وجل : مَا اتخذ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً ، مستأنف، فيه تقرير لتعالي جده.
٢ ينظر السابق..
٣ تقدم..
٤ ينظر المحرر الوجيز ٥/٣٧٩، والبحر المحيط ٨/٣٤١، والدر المصون ٦/٣٩٠..
٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٤١، والدر المصون ٦/٣٩٠..
٦ ينظر السابق..
٧ ينظر: البحر المحيط ٨/٣٤١، والقرطبي ١٩/٧..
٨ الجامع لأحكام القرآن ١٩/٧..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٥٩-٢٦٠) عن مجاهد وعكرمة وقتادة.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٣٠) عن عكرمة وعزاه إلى عبد بن حميد..
١٠ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٣٠) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٦٠) عن الحسن وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٣٠) وعزاه إلى عبد بن حميد..
١٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٣٠) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم..
١٣ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١١٠.).
١٤ ينظر المصدر السابق وتفسير القرطبي (١٩/٧)..
١٥ ينظر المصدر السابق..
١٦ ينظر المصدر السابق..
١٧ ينظر الجامع لأحكام القرآن ١٩/٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود