ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ

فكيف تتقون إِن كفرتم أي : بقيتم على كفركم يوماً أي : عذاب يوم يجعلُ الوِلْدان من شدة هوله، وفظاعة ما فيه من الدواهي شِيباً جمع أشيب، أي : شيوخاً، إمّا حقيقة، أو تمثيلاً، وذلك أنَّ الهموم والأحزان إذا تفاقمت على المرء ضعفت قواه وأسرع فيه الشيب، فإذا قلنا : هو من باب التمثيل، يكون كقولهم في اليوم الشديد : يوم تشيب فيه نواصي الأطفال، وإذا قلنا حقيقة، فلعله ممن بلغ الحلم، وصَحِبه تفريط، وهذا الوقت الذي يُشيب الولدان هو حين يُقال لآدم عليه السلام :" أخْرِج بعثَ النار من ذريتك. . . " ١ الحديث، ف " يوماً " مفعول بكفرتم، أي : جحدتم، أو : ب " تتقون "، أي : كيف تتقون عذاب يوم كذا إن كفرتم بالله، أو : ظرف، أي : فكيف لكم التقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا، و " يجعل " صفة ليوم، والعائد محذوف، أي : فيه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قال القشيري : فذرني والمكذّبين، القائلين بكثرة الوجود وتعدده. هـ. أي : مع أنه متحد، كما قال الشاعر :

هَذا الوُجودُ وإن تَعَدَّدَ ظَاهِـراً وحَيَاتكُـم ما فِيـه إلا أَنْتُـمُ
أُولي النِّعمة : الترفُّه، فطلبُ اللذات والتنعُّم شَغَلهم عن التبتُّل، حتى افترقت قلوبُهم وأرواحهم، وأشركوا مع الله غيره، و " مَهِّلْهُم قليلاً " أي : زمن عمرهم ؛ لأنه قليل وإن طالت مدته ؛ إذ لا فائدة فيه. إنَّ لدينا أنكالاً، أي : قيوداً من العلائق والعوائق تعلقهم وتعوقهم عن الوصول إلى أسرار التوحيد، وطعاماً ذا غُصةٍ يغص الروح عن شراب الحمرة ؛ لضيق مسلكه بوجود العوائق، وعذاباً أليماً : البُعد والطرد عن باب حضرتنا وجناب كبريائنا. يوم ترجف أرض البشرية بهزها بذكر الله، وجبال العقل بتجلِّي أنوار الذات، فيصير هباءً منثوراً. إنَّا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم ، وهو الداعي إلى هذه الأسرار التفريدية، كما أرسلنا إلى فراعين كل زمان رسولاً يدعوهم إلى الله، فعصى فرعونُ كل زمان رسولَه، وهو الخليفة عن الله ورسولِه صلى الله عليه وسلم، فأخذناه أخذاً وبيلاً، فاختطفته المنية من سعة القصور إلى ضيق القبور، فكيف تتقون الله حق تقاته، إن كفرتم يوم وقوفكم بين يدي الواحد القهار ؟ يوم تشيب فيه الولدان خجلاً من الملك الديّان. السماءُ منفطر مِن هوله، حين يُحال بين المرء وعملِه، إذ ليس محلّ العمل، وإنما هو محل إظهار كرامات العمل، وحِيل بينهم وبين ما يشتهون، إنَّ هذه تذكرة بالغة، فمَن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً يوصله إليه اليوم، قبل أن يُحال بينه وبينه بسور الموت. وبالله التوفيق.

١ أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث ٣٣٤٨، ومسلم في الإيمان حديث ٣٧٩..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير