ﮕﮖﮗﮘﮙﮚ ﮜﮝﮞﮟ ﮡﮢﮣﮤﮥ ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ ﯝﯞﯟﯠﯡﯢ ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳ

كل عصر. قال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه أقوام، ونضحك إليهم، وإن قلوبنا لتقليهم أو لتلعنهم.
تهديد الكفار وتوعدهم
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١١ الى ١٨]
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥)
فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨)
الإعراب:
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ.. يَوْمَ: منصوب على الظرف، والعامل فيه ما في لَدَيْنا من معنى الاستقرار، كما تقول: إن خلفك زيدا غدا، والعامل في (غدا) الاستقرار الذي دل عليه (خلفك).
كَثِيباً مَهِيلًا مَهِيلًا: أصله (مهيولا) على وزن مفعول، من (هلت) فاستثقلت الضمة على الياء، فنقلت إلى الهاء قبلها، فبقيت الياء ساكنة والواو ساكنة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وكسرت الهاء لتصحيح الياء.
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً يَوْماً: مفعول تَتَّقُونَ وليس منصوبا على الظرف، ويَجْعَلُ: جملة فعلية في موضع نصب لأنه صفة يَوْماً.
السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ إنما قال مُنْفَطِرٌ من غير تاء لثلاثة أوجه: إما بمعنى النسب، أي ذات انفطار، أو بجعل السماء في معنى السقف، كما في قوله تعالى: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء ٢١/ ٣٢]، أو لأن السماء يجوز فيها التذكير والتأنيث، فيقال: مُنْفَطِرٌ على التذكير، وهو قول الفراء.

صفحة رقم 201

البلاغة:
إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً، وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ، وَعَذاباً أَلِيماً.. إلخ: سجع مرصع.
أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا جناس اشتقاق.
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا التفات من الغيبة إلى الخطاب للتقريع والتوبيخ على عدم الإيمان، والأصل أن يقال: إنا أرسلنا إليهم.
فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا تأكيد الفعل بالمصدر.
المفردات اللغوية:
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ اتركني وإياهم، فإني قدير على مجازاتهم. النَّعْمَةِ بفتح النون:
التنعم والترفه، وبكسر النون: الإنعام أو اسم الشيء المنعم به. وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا اتركهم زمانا قليلا برفق وتأنّ، أو أمهلهم إمهالا. أَنْكالًا قيودا ثقيلة، جمع نكل بكسر النون وفتحها: وهو القيد الثقيل. وَجَحِيماً نار محرقة شديدة الإيقاد. ذا غُصَّةٍ يغص به فلا يستساغ في الحلق، كالضريع والزقّوم والغسلين والشوك من نار، فلا يخرج ولا ينزل. وَعَذاباً أَلِيماً مؤلما لا يعرف كنهه إلا الله، زيادة على ما ذكر.
تَرْجُفُ تضطرب وتتزلزل. كَثِيباً رملا متجمعا بتأثير الريح. مَهِيلًا رخوا ليّنا تغوص الأقدام فيه. إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ أرسلنا إليكم يا أهل مكة. رَسُولًا هو محمد صلّى الله عليه وسلّم. شاهِداً عَلَيْكُمْ يشهد عليكم يوم القيامة بالعصيان أو الإجابة للدعوة. وَبِيلًا ثقيلا شديدا، ومنه طعام وبيل: لا يستمرأ لثقله، ووابل: وهو المطر العظيم. تَتَّقُونَ تقون أنفسكم. إِنْ كَفَرْتُمْ بقيتم على الكفر في الدنيا. يَوْماً عذاب يوم أي بأي حصن تتحصنون من عذاب يوم القيامة. شِيباً جمع أشيب، وجعلهم شيبا لشدة هوله، يقال لليوم الشديد:
يوم يشيب الأطفال، وهو مجاز، أصله أن الهموم تضعف القوى وتسرع بالشّيب. مُنْفَطِرٌ منشق متصدع. كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا أي إن وعده تعالى بمجيء ذلك اليوم كائن لا محالة.
سبب النزول: نزول الآية (١١) :
وَذَرْنِي: روي أنها نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين.

صفحة رقم 202

المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى إرشاداته لنبيه صلّى الله عليه وسلّم في دعوته، هدد المشركين وأوعدهم على الإعراض عن قبول تلك الدعوة، وخوفهم عذاب يوم القيامة وكيفيته وأهواله، وعذاب الدنيا ومخاطره، ثم عاد إلى وصف عذاب الآخرة وتخويفهم به لشدته التي بلغت حدا تشيب الولدان، وتتشقق السموات منه.
التفسير والبيان:
هدد الله تعالى كفار مكة وأمثالهم وتوعدهم، وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء، فقال:
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا أي دعني وأولئك المكذبين المترفين أصحاب الأموال، فإني أكفيك أمرهم، وأنتقم لك منهم، فلا تهتم بكونهم أرباب الغنى والسعة والترفّه في الدنيا، وتمهل عليهم رويدا وزمنا قليلا، أو تمهلا قليلا إلى انقضاء آجالهم، كما قال تعالى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ [لقمان ٣١/ ٢٤]. وقد أهلك زعماؤهم في موقعة بدر، قالت عائشة: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيرا حتى وقعت وقعة بدر.
ثم ذكر الله تعالى أنواعا أربعة من عذابهم، فقال:
إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا، وَجَحِيماً، وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ، وَعَذاباً أَلِيماً أي إن عندنا القيود والأغلال لهؤلاء المكذبين بآياتنا وبرسولنا، ونارا مؤججة مضطرمة، وطعاما لا يستساغ، ينشب في الحلق، فلا يدخل ولا يخرج كالزقوم والضريع، ونوعا آخر من العذاب المؤلم الشديد، لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. وتنكير قوله عَذاباً يدل على أن هذا العذاب أشد مما تقدم وأكمل.
وبعد وصف العذاب، أخبر تعالى عن زمانه متى يكون فقال:

صفحة رقم 203

يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ، وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا أي إن ذلك العذاب الذي يعذب به الكفار هو في يوم تضطرب في الأرض والجبال وتتزلزل بمن عليها، والرجفة: الزلزلة الشديدة، وتصير الجبال كالكثيب المهيل، أي الرمل المجتمع السائل الذي يسيح فيه الإنسان والحيوان، بعد ما كانت حجارة صماء، ثم تنسف نسفا، فلا يبقى منها شيء إلا ذهب. والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة، والمهيل: هو الذي إذا وطئته القدم زلّ ما تحتها، وإذا وصلت أسفله انهال.
وبعد تخويف أهل مكة وأمثالهم بأهوال القيامة، هددهم وخوفهم تعالى بأهوال الدنيا التي تعرضت لها الأمم المكذبة المتقدمة، فقال:
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ، كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ، فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا أي يخاطب الله تعالى كفار قريش، والمراد سائر الناس، فيقول لهم: إنا أرسلنا إليكم رسولا هو محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم يشهد عليكم يوم القيامة بأعمالكم وبما يصدر عنكم من إجابة وامتناع، وطاعة وعصيان، كما أرسلنا موسى عليه السلام إلى الطاغية فرعون يدعوه إلى الحق والإيمان، فعصى فرعون الرسول المرسل إليه، وكذّبه ولم يؤمن بما جاء به، فأخذناه أخذا شديدا ثقيلا غليظا، أي عاقبناه عقوبة شديدة وأهلكناه ومن معه بالغرق في البحر، فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبكم ما أصاب فرعون حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم رسولكم الذي هو أشرف وأعظم من موسى بن عمران عليه السلام. وإنما عرّف كلمة الرسول ثانيا لأنه ينصرف إلى المعهود السابق في الذكر.
ثم عاد الله تعالى إلى تخويفهم بعذاب الآخرة ذاكرا هو له من وجهين، فقال:
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً، السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ،

صفحة رقم 204

كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
أي كيف تقون أنفسكم وتنعمون بالأمان والاطمئنان إن بقيتم على الكفر، من عذاب يوم يجعل الأطفال شيبا بيض الشعور، لشدة هوله، وهذا كناية عن شدة الخوف، وتصير السماء متشققة به متصدعة لشدته وعظيم هوله، وكان وعد الله بمجيء ذلك اليوم كائنا واقعا لا محالة ولا محيد عنه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- هدد الله صناديد قريش وأمثالهم من المستهزئين والمترفين الطغاة والمكذبين بآيات الله والكفر برسالة نبيه صلّى الله عليه وسلّم، وتوعدهم بأشد العذاب في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فعوقب رؤساء مكة في موقعة بدر، وأما في الآخرة فنار جهنم تنتظرهم.
٢- إن أنواع العذاب الشديد في الآخرة هي الأنكال أي القيود، والنار المؤججة، والطعام الذي لا يستساغ، فلا هو نازل ولا هو خارج، وهو الغسلين والزّقوم والضريع وهو شوك كالعوسج.
٣- زمان هذا العذاب هو يوم القيامة، الذي تضطرب وتحرك فيه الأرض والجبال بمن عليها، وتصبح الجبال فيه رملا مجتمعا سائلا متناثرا غير متماسك.
٤- التشابه في الجريمة والعقاب: اشترك أهل مكة في تكذيب النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم والاستخفاف به، مع فرعون وقومه الذين كذبوا موسى عليه السلام، قال مقاتل: ذكر- أي الله- موسى وفرعون لأن أهل مكة ازدروا محمدا صلّى الله عليه وسلّم واستخفوا به لأنه ولد فيهم، كما أن فرعون ازدرى موسى لأنه ربّاه ونشأ فيما بينهم، كما قال تعالى: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً [الشعراء ٢٦/ ١٨] فكان التشابه في الأحوال سببا لذكر قصة موسى وفرعون على التعيين دون سائر الرسل والأمم.

صفحة رقم 205

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية