ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ

إِنَّ نَاشِئَةَ الليل أي ساعاته وأوقاته، لأنها تنشأ أوّلاً فأوّلاً، يقال : نشأ الشيء ينشأ : إذا ابتدأ وأقبل شيئًا بعد شيء، فهو ناشئ، وأنشأه الله فنشأ، ومنه نشأت السحاب : إذا بدأت، فناشئة فاعلة من نشأ ينشأ، فهي ناشئة. قال الزجاج : ناشئة الليل كل ما نشأ منه : أي حدث، فهو ناشئة، قال الواحدي : قال المفسرون : الليل كله ناشئة، والمراد أن ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم الموصوف. وقيل : إن ناشئة الليل هي النفس التي تنشأ من مضجعها للعبادة : أي تنهض، من نشأ من مكانه : إذا نهض. وقيل : الناشئة بالحبشية قيام الليل، وقيل : إنما يقال لقيام الليل ناشئة : إذا كان بعد نوم. قال ابن الأعرابي : إذا نمت من أوّل الليل ثم قمت فتلك المنشأة والنشأة، ومنه ناشئة الليل. قيل : وناشئة الليل هي ما بين المغرب والعشاء، لأن معنى نشأ ابتدأ، ومنه قول نصيب :

ولولا أن يقال صبا نصيب لقلت بنفسي النشء الصغار
قال عكرمة وعطاء : إن ناشئة الليل بدوّ الليل. وقال مجاهد وغيره : هي في الليل كله، لأنه ينشأ بعد النهار، واختار هذا مالك. وقال ابن كيسان : هي القيام من آخر الليل. قال في الصحاح : ناشئة الليل أوّل ساعاته. وقال الحسن : هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح هِيَ أَشَدُّ وَطْأً قرأ الجمهور : وَطْأً بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة، واختار هذه القراءة أبو حاتم. وقرأ أبو العالية، وابن أبي إسحاق ومجاهد وأبو عمرو وابن عامر وحميد وابن محيصن والمغيرة وأبو حيوة بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، فالمعنى على القراءة الأولى أن الصلاة في ناشئة الليل أثقل على المصلي من صلاة النهار، لأن الليل للنوم. قال ابن قتيبة : المعنى أنها أثقل على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب : اشتدّت على القوم وطأة السلطان : إذا ثقل عليهم ما يلزمهم منه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : اللَّهمّ اشدد وطأتك على مضر والمعنى على القراءة الثانية أنها أشدّ مواطأة : أي موافقة، من قولهم : واطأت فلاناً على كذا مواطأة ووطاء : إذا وافقته عليه. قال مجاهد وابن أبي مليكة : أي أشد موافقة بين السمع والبصر والقلب واللسان لانقطاع الأصوات والحركات فيها، ومنه : لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله [ التوبة : ٣٧ ] أي ليوافقوا. وقال الأخفش : أشدّ قياماً. وقال الفرّاء : أي أثبت للعمل، وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة، والليل وقت الفراغ عن الاشتغال بالمعاش، فعبادته تدوم ولا تنقطع. وقال الكلبي : أشدّ نشاطاً وَأَقْوَمُ قِيلاً أي وأشدّ مقالاً، وأثبت قراءة لحضور القلب فيها وهدوء الأصوات، وأشدّ استقامة واستمراراً على الصواب، لأن الأصوات فيها هادئة والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرؤه. قال قتادة ومجاهد : أي أصوب للقراءة وأثبت للقول، لأنه زمان التفهم. قال أبو عليّ الفارسي : أقوم قليلاً : أي أشدّ استقامة لفراغ البال بالليل. قال الكلبي : أي أبين قولاً بالقرآن. وقال عكرمة : أي أتمّ نشاطاً وإخلاصاً وأكثر بركة. وقال ابن زيد : أجدر أن يتفقه في القرآن. وقيل : أعجل إجابة للدعاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة، والبيهقي في سننه عن سعد بن هشام قال :«قلت لعائشة : أنبئيني عن قيام رسول الله، قالت : ألست تقرأ هذه السورة يأَيُّهَا المزمل ؟ قلت : بلى، قالت : فإن الله افترض قيام الليل في أولّ هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً، ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوّعاً من بعد فرضه»، وقد روي هذا الحديث عنها من طرق.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : لما نزلت أوّل المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين أوّلها وآخرها نحو من سنة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن نصر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : لما نزلت يا أيها المزمل قاموا حولاً حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ [ المزمل : ٢٠ ] فاستراح الناس. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن نصر وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : في المزمل : قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نّصْفَهُ نسختها الآية التي فيها : عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان [ المزمل : ٢٠ ] وناشئة الليل أوّله كان صلاتهم أوّل الليل، يقول : هذا أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من قيام الليل، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ، وقوله : أَقْوَمُ قِيلاً هو أجدر أن يفقه قراءة القرآن، وقوله : إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً يقول : فراغاً طويلاً. وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله : يأَيُّهَا المزمل قال : زملت هذا الأمر فقم به. وأخرج ابن المنذر عنه في الآية أيضاً قال : يتزمل بالثياب. وأخرج الفريابي عن أبي صالح عنه أيضاً : وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً قال : تقرأ آيتين ثلاثاً ثم تقطع لا تهدر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن منيع في مسنده وابن المنذر وابن أبي حاتم ومحمد بن نصر عنه أيضاً : وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً قال : بيّنه تبييناً. وأخرج العسكري في المواعظ عن عليّ بن أبي طالب مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر والحاكم وصححه عن عائشة :«أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تستطيع أن تتحرّك حتى يسرّي عنه، وتلت إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ». وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن نصر والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله : إِنَّ نَاشِئَةَ الليل قال : قيام الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا : نشأ. وأخرج البيهقي عنه قال : نَاشِئَةَ الليل أوّله. وأخرج ابن المنذر وابن نصر عنه أيضاً قال : الليل كله ناشئة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : نَاشِئَةَ الليل بالحبشة قيام الليل. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن نصر والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك قال : نَاشِئَةَ الليل ما بين المغرب والعشاء. وأخرج عبد بن حميد وابن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى عن ابن عباس في قوله : إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً قال : السبح الفراغ للحاجة والنوم. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت : لما نزلت : وَذَرْنِي والمكذبين أُوْلِي النعمة وَمَهّلْهُمْ قَلِيلاً لم يكن إلاّ يسيراً حتى كانت وقعة بدر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً قال : قيوداً. وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس : وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ قال : شجرة الزقوم. وأخرج الحاكم وصححه عنه في قوله : كَثِيباً مَّهِيلاً قال : المهيل الذي إذا أخذت منه شيئًا تبعك آخره. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً كَثِيباً مَّهِيلاً قال : الرمل السائل، وفي قوله : أَخْذاً وَبِيلاً قال : شديداً. وأخرج الطبراني وابن مردويه عنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يَجْعَلُ الولدان شِيباً قال :«ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم : قم فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال : من كم يا ربّ ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وينجو واحد، فاشتدّ ذلك على المسلمين، فقال حين أبصر ذلك في وجوههم : إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، إنه لا يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه ألف رجل، ففيهم وفي أشباههم جنة لكم». وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود نحوه بأخصر منه. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله : السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ قال : ممتلئة بلسان الحبشة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : مثقلة موقرة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية قال : يعني : تشقق السماء.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية