معطوف (١) على قوله: أَلَمْ يَكُ؛ لأن إنكار عدم الكون يفيد ثبوت المكون، فالتقدير: كان الإنسان نطفة ثم كان علقة فَخَلَقَ؛ أي: فقدر بأن جعلها مضغة مخلقة بعد أربعين أخرى؛ أي: قطعة لحم قابل لتفريق الأعضاء، وتمييز بعضها من بعض وجعل المضغة عظامًا تتميز بها الأعضاء بأن صلبها، فكسا العظام لحمًا يحسن به خلقه وتصويره، ويستعد لإفاضة القوى ونفخ الروح.
فَسَوَّى؛ أي: فعدَّله وكمل نشأته. وقال بعضهم: معنى التسوية والتعديل: جعل كل عضو من أعضائه الزوج معادلًا لزوجه.
٣٩ - فَجَعَلَ مِنْهُ؛ أي: من الإنسان باعتبار الجنس أو من المنيّ. وجعل بمعنى خلق، ولذا اكتفى بمفعول واحد، وهو قوله: الزَّوْجَيْنِ؛ أي: الصنفين من نوع الإنسان، وقد يجتمعان تارةً، وينفرد كل منهما عن الآخر تارةً، لا خصوص الفردين وإلاّ فقد تحمل المرأة بذكرين وأنثى أو بالعكس اهـ شيخنا. ثم بين ذلك بقوله: الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى بدل من الزوجين، ويجوز أن يكونا منصوبين بإضمار أعني. ولا يخفى (٢) أنَّ الفاء تفيد التعقيب، فلا بدّ من مغايرةٍ بين المتعاقبين، فلعل قوله: فَخَلَقَ فَسَوَّى محمول على مقدار مقدر من الخلق يصلح به للتفرقة بين الزوجين، وقوله: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ على التفرقة الواقعة.
والمعنى (٣): أي أما كان هذا المنكر قدرة الله على إحيائه بعد مماته وإيجاده بعد فنائه نطفة في صلب أبيه ثم كان علقة ثم سواه بشرًا ناطقًا سميعًا بصيرًا ثم جعل منه أولادًا ذكورًا وإناثًا بإذنه وتقديره.
٤٠ - أَلَيْسَ ذَلِكَ العظيم الشأن الذي أنشأ هذا الإنشاء البديع بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؛ أي: على أن يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا، فإنَّ الإعادة أهون من الابتداء وأيسر مؤنة منه في قياس العقل لوجود المادة، وهو عجيب الذنب والعناصر الأصلية. والاستفهام في أَلَيْسَ للتقرير المضمن للتوبيخ لمنكر البعث.
وفي قراءة زيد بن عليّ الزوجان بالألف، وكأنه على لغة بني الحارث بن كعب ومن وافقهم من العرب من كون المثنى بالألف في جميع أحواله. وقرأ
(٢) روح البيان.
(٣) المراغي.
الجمهور (١): بِقَادِرٍ اسم فاعل مجرورًا بالباء الزائدة. وقرأ زبد بن علي يَقْدِرُ فعلًا مضارعًا. وقرأ طلبة بن سليمان والفيّاض بن غزوان على أن يحيي بسكون الياء تخفيفًا أو على إجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ الجمهور بفتحها، وهي حركة إعراب لا تنحذت إلا في الوقف، وقد جاء في الشعر حذفها، وجاء عن بعضهم يحيي بنقل حركة الياء إلى الحاء وإدغام الياء في الياء. قال ابن خالويه: لا يجيز أهل البصرة سيبويه وأصحابه إدغام يحيى، قالوا لسكون الياء الثانية، ولا يعتدون بالفتحة في الياء؛ لأنها حركة إعراب غير لازمة.
والخلاصة: أي ليس الذي أنشأ هذا الخلق السويّ من هذه النطفة المذرة بقادر على أن يعيده كما بدأه، فذلك أهون من البدء في قياس العقل كما قال: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ.
وقد جاء من عدّة طرق: أنّ النبي - ﷺ - كان إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانك اللهم وبلى". وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن مردويه، والحاكم وصحّحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من قرأ منكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وانتهى إلى آخرها أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨) فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) فانتهى إلى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى فليقل: بلى، ومن قرأ المرسلات فبلغ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ فليقل: آمنا بالله".
الإعراب
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦).
لَا زائدة زيدت لتأكيد معنى القسم، أُقْسِمُ فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر، تقديره: أنا يعود على الله سبحانه، بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ متعلق بـ أُقْسِمُ، وجملة القسم مستأنفة استئنافًا نحويًا، لا محل لها من الإعراب. وَلَا أُقْسِمُ معطوف على الجملة السابقة، فهو نظيرها في الإعراب، وكرّر فعل القسم تنبيهًا على أن كلا من
المقسم به مقصود مستقل. بِالنَّفْسِ متعلق بـ أُقْسِمُ، اللَّوَّامَةِ صفة لـ النفس، وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثن دل عليه ما بعده، وهو قوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ كما مرّ. أَيَحْسَبُ الهمزة للاستفهام التوبيخي، يحسب الإنسان فعل وفاعل والجملة جملة إنشائية دالة على جواب القسم لا محل لها من الإعراب، أن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، لن حرف نصب، نَجْمَعَ فعل مضارع وفاعل مستتر، منصوب بـ لن، عِظَامَهُ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر أن المخففة، وجملة أنْ المخففة في محل النصب سادة مسدّ مفعولي يحسب. بَلَى حرف جواب لإثبات ما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، قَادِرِينَ حال من فاعل الفعل المقدّر المدلول عليه بحرف الجواب، تقديره: بل تجمعها حال كوننا قادرين، والجملة المحذوفة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب أو خبر لـ كان المحذوفة؛ أي: بلى كنّا قادرين. عَلَى حرف جرّ، أَن حرف نصب، نُسَوِّيَ فعل مضارع وفاعل مستتر منصوب بـ أن، بَنَانَهُ مفعول به ومضاف إليه والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بـ عَلَى؛ أي: على تسويتنا بنانه، الجار والمجرور متعلق بـ قَدِرِينَ، بَلْ حرف عطف وإضراب للإضراب الانتقالي، يُرِيدُ الْإِنْسَانُ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ، فيجوز أن تكون استفهامًا مثله، وأن تكون إيجابًا اهـ سمين. لِيَفْجُرَ اللام حرف جرّ وتعليل، يفجر فعل مضارع منصوب بـ أن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الإنسان، أَمَامَهُ منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ يفجر، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، واللام زائدة في المعنى، والتقدير: بل يريد الإنسان الفجور في مستقبله والاستمرار فيه. يَسْأَلُ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الْإِنْسَانُ، والجملة مستأنفة أو بدل من الجملة التي قبلها، أو في محل النصب حال من الْإِنْسَانُ؛ أي: يريد أن يستمر في فجوره في حال كونه سائلًا على سبيل الاستهزاء أيّان يوم القيامة؟ أَيَّانَ اسم استفهام في محل النصب على الظرفية الزمانية، والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، يَوْمُ الْقِيَامَةِ مبتدأ مؤخّر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مفعول به لـ يسأل.
صفحة رقم 461
فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥).
فَإِذَا الفاء: استئنافية، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان، متعلق بالجواب الآتي وهو يَقُولُ، بَرِقَ الْبَصَرُ فعل وفاعل، والجملة في محل الجرّ مضاف إليه لـ إذا، على كونها فعل شرط لها. وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) فعل وفاعل، معطوف على بَرِقَ الْبَصَرُ. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) فعل مغيّر، ونائب فاعل، معطوف عليه، يَقُولُ الْإِنْسَانُ فعل وفاعل، والجملة جواب إذا لا محل لها، وجملة إذا مستأنفة، يَوْمَئِذٍ ظرف مضاف لمثله، متعلّق بـ يَقُولُ، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة؛ أي: يوم إذ برق البصر إلخ. أَيْنَ اسم استفهام في محل النصب على الظرفية المكانية، مبنيّ على الفتح، والظرف متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدّمًا، الْمَفَرُّ مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ يَقُولُ. كَلَّا حرف ردع وزجر عن طلب الفرار، لَا نافية للجنس، وَزَرَ في محل النصب اسمها، وخبرها محذوف؛ أي: موجود. والجملة مستأنفة. إِلَى رَبِّكَ خبر مقدم، و يَوْمَئِذٍ ظرف أضيف إلى مثله، متعلق بفعل محذوف، دل عليه الْمُسْتَقَرُّ، تقديره: يستقر الأمر، ويرجع إلى ربك يوم إذ كانت هذه الأمور المذكورة، ولا يجوز أن يتعلق بـ الْمُسْتَقَرُّ؛ لأنّه إن كان مصدرًا فلتقدّمه، وإن كان مكانًا فلا عمل له ألبتة كما مرّ. الْمُسْتَقَرُّ مبتدأ مؤخّر، والجملة الاسمية مستأنفة. يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ فعل مضارع مغيّر الصيغة، الْإِنْسَانُ نائب فاعل، يَوْمَئِذٍ ظرف أضيف إلى مثله، متعلق بـ يُنَبَّأُ، والجملة مستأنفة، بِمَا جار ومجرور، متعلق بـ يُنَبَّأُ على كونه مفعولًا ثانيًا له، وجملة قَدَّمَ صلة لـ ما الموصولة، وَأَخَّرَ معطوف على قَدَّمَ، بَلِ حرف عطف وإضراب انتقاليّ، الْإِنْسَانُ مبتدأ، عَلَى نَفْسِهِ متعلق بـ بَصِيرَةٌ، و بَصِيرَةٌ؛ أي: شاهد خبر المبتدأ،. والتاء فيه للمبالغة لا للتأنيث، والجملة معطوفة على جملة يُنَبَّأُ، وَلَوْ الواو حالية، لو حرف شرط، أَلْقَى فعل ماض وفاعل مستتر، مَعَاذِيرَهُ مفعول به، وجواب الشرط محذوف تقديره: ما قبلت منه، والجملة الشرطية في محل النصب حال من الضمير المستكن في بَصِيرَةٌ، والتقدير: بل الإنسان شاهد على نفسه
حال كونه ملقيًا معاذيره أو غير ملقٍ إياها.
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩).
لَا ناهية جازمة، تُحَرِّكْ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد، مجزوم بـ لا الناهية، بِهِ متعلق بـ تُحَرِّكْ، لِسَانَكَ مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، لِتَعْجَلَ اللام: حرف جرّ وتعليل، تعجل فعل مضارع منصوب بـ أن مضمرة بعد لام التعليل، وفاعله ضمير يعود على محمد، بِهِ متعلق بـ تعجل، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل؛ أي: لعجلتك بأخذه، الجار والمجرور متعلق بـ تُحَرِّكْ. إِنَّ حرف نصب، عَلَيْنَا خبر مقدم لـ إِنَّ جَمْعَهُ اسم إن مؤخر وَقُرْآنَهُ ومعطوف على جَمْعَهُ جملة إن جملة تعليليلة لا محل لها من الإعراب، سيقت لتعليل النهي عن العجلة. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت النهي عن العجلة وأردت بيان ما هو الأصلح لك فأقول لك: إذا قرأناه. إذَا ظرف لما يستقبل من الزمان، قُرْآنَهُ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ إذا على كونها فعل شرط لها. فَاتَّبِعْ الفاء: رابطة، اتبع فعل أمر وفاعل مستتر، قُرْآنَهُ مفعول به، ومضاف إليه والجملة جملة جوابية لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا مستأنفة. ثُمَّ حرف عطف مع تراخ، إنَّ حرف نصب، عَلَيْنَا خبر أنَّ مقدم، بَيَانَهُ اسم إنَّ مؤخّر، وجملة إنَّ معطوفة على جملة إذا.
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥).
كَلَّا حرف ردع، بَلْ حرف إضراب للإضراب الانتقالي، تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الإضرابية معطوفة على محذوف، تقديره: ليس الأمر كما تزعمون أيها المشركون بل تحبّون العاجلة. وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على تُحِبُّونَ، وُجُوهٌ مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التفصيل، يَوْمَئِذٍ ظرف مضاف لمثله، والتنوين عوض عن
الجملة المحذوفة، تقديرها: يوم إذ تقوم القيامة، والظرف متعلّق بـ نَاضِرَةٌ، و نَاضِرَةٌ خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. إِلَى رَبِّهَا متعلق بـ نَاضِرَةٌ، و نَاضِرَةٌ خبر ثان له. وَوُجُوهٌ الواو: عاطفة، وُجُوهٌ مبتدأ، يَوْمَئِذٍ متعلق بـ بَاسِرَةٌ، و بَاسِرَةٌ خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. تَظُنُّ فعل مضارع وفاعل مستتر، والجملة في محل الرفع خبر ثان للمبتدأ، أَن حرف نصب ومصدر، يُفْعَلَ فعل مضارع مغيّر الصيغة، بِهَا متعلق بـ يُفَعلَ، فَاقِرَةٌ نائب فاعل، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ظنّ. وفي الجملتين أوجه أُخَرُ من الإعراب.
كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠).
كَلَّا حرف ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة، إِذَا ظرف لما يستقبل من الزمان، بَلَغَتِ فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على الروح، التَّرَاقِيَ مفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ إِذَا على كونها فِعْلَ شرط لها. وَقِيلَ فعل ماض مغيّر الصيغة، معطوف على بَلَغَتِ، مَنْ رَاقٍ نائب فاعل، محكي لـ قيل، وان شئت قلت: مَنْ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، رَاقٍ خبر مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ قيل. وَظَنَّ فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر يعود على المحتضر، أَنَّهُ الْفِرَاقُ ناصب واسمه وخبره، وجملة أن في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ظَنَّ، وجملة ظَنَّ معطوفة على جملة بَلَغَتِ. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ فعل وفاعل، معطوف أيضًا على بَلَغَتِ، بِالسَّاقِ متعلق بـ الْتَفَّتْ، وجواب إذا محذوف دل عليه قوله: إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) تقديره: تساق النفس إلى حكم ربك يومئذٍ، وجملة إذا مستأنفة. إِلَى رَبِّكَ خبر مقدم، يَوْمَئِذٍ ظرف متعلق بـ الْمَسَاقُ، وهو ظرف مضاف إلى مثله، والتنوين عوض عن الجمل الأربع، تقديره: إذا بلغت الروح الحلقوم، وقيل من رَاقٍ وظن أنه الفراق، والتفت الساق بالساق تساق إلى حكم ربها.
{فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ
فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)}.
فَلَا الفاء: عاطفة، لا نافية، صَدَّقَ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الْإِنْسَانُ، والجملة معطوفة على جملة قوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ، وقيل: معطوف على جملة يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَلَا صَلَّى معطوف على لَا صَدَّقَ. وَلَكِنْ الواو: عاطفة، لكن حرف استدراك، كَذَّبَ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الْإِنْسَانُ، والجملة معطوفة على قوله: فَلَا صَدَّقَ. وَتَوَلَّى فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على كَذَّبَ، ثُمَّ حرف عطف وترتيب مع تراخ، ذَهَبَ معطوف على كَذَّبَ، إِلَى أَهْلِهِ متعلق بـ ذَهَبَ، وجملة يَتَمَطَّى في محل النصب حال من فاعل ذَهَبَ، أَوْلَى اسم فعل ماض بمعنى وليك المكروه، مبنى على السكون لشبهه بالحرف شبهًا استعماليًا، وفاعله ضمير يعود على ما يفهم من السياق، تقديره: وليك المكروه لك. لَكَ اللام: حرف جرّ زائد للتبيين؛ أي: لتبيين المفعول به، والكاف: ضمير متصل في محل النصب مفعول به لاسم الفعل، وجملة اسم الفعل جملة دعائية لا محل لها من الإعراب. فَأَوْلَى الفاء: عاطفة، فَأَوْلَى اسم تفضيل من الولي بمعنى القرب خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهو؛ أي: المكروه أولى وأحرى، وأحقّ بك. والجملة الاسمية معطوفة على جملة اسم الفعل، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) معطوف على قوله: أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)، والتكرير للتأكيد.
أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨).
أَيَحْسَبُ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، يَحْسَبُ الْإِنْسَانُ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أَن حرف نصب ومصدر، يُتْرَكَ فعل مضارع مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الْإِنْسَانُ، سُدًى حال من الضمير في يُتْرَكَ، وجملة أن المصدرية مع ما في حيّزها في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي يحسب. أَلَمْ الهمزة للاستفهام التقريريّ، لم حرف جزم، يَكُ فعل مضارع ناقص مجزوم بـ لم، وعلامة جزمه السكون الظاهر على النون المحذوفة للتخفيف، واسم يكن ضمير يعود على الْإِنْسَانُ. نُطْفَةً خبرها، مِنْ مَنِيٍّ
صفة لـ نُطْفَةً، وجملة يُمْنَى من الفعل المغيّر ونائب فاعله في محل الجرّ صفة لـ مَنِيٍّ، وجملة يكن الناقصة جملة استفهامية لا محل لها من الإعراب. ثُمَّ حرف عطف وتراخ، كَانَ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الْإِنْسَانُ، عَلَقَةً خبرها، وجملة كَانَ معطوفة على جملة الاستفهام، فَخَلَقَ الفاء: عاطفة، خلق فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة كان، والرابط بين الجملتين محذوف، تقديره: فخلقه فَسَوَّى فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على خلق، والتقدير: فسوّاه.
فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠).
فَجَعَلَ الفاء: عاطفة، جَعَلَ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، مِنْهُ في موضع المفعول الثاني، الزَّوْجَيْنِ مفعول أوّل، الذَّكَرَ بدل من الزوجين، وَالْأُنْثَى معطوف على الذَّكَرَ، وجملة جعل معطوف على جملة سوى. أَلَيْسَ الهمزة للاستفهام التقريري، ليسَ فعل ماض ناقص، ذَلِكَ اسمها؛ أي: أليس ذلك الفعّال ما ذكر، بِقَادِرٍ خبرها، والباء زائدة في خبر لَيْسَ، عَلَى أَنْ يُحْيِيَ متعلق بِقَادِرٍ، وجملة ليس جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. أَن حرف نصب ومصدر، يُحْيِيَ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، الْمَوْتَى مفعول به، وجملة أن المصدرية مع ما في حيّزها في تأويل مصدر مجرور بـ عَلَى، تقديره: على إحيائِهِ الموتى.
التصريف ومفردات اللغة
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) والإقسام لغة: مطلق الحلف سواء كان بالخالق أو بالمخلوق أيًّا كان، وشرعًا: الحلف بالله تعالى سواء كان بالذات أو باسم من أسمائه أو صفة من صفات ذاته، يقال: أقسم بالله من باب أفعل، ولا يقال: قسم بالله من باب فعل. بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ القيامة فيه إعلال بالقلب، أصله: القوامة، قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة وقبل ألف. أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ والعظام: جمع عظم، وهو قصب الحيوان الذي عليه اللحم، ويجيء جمع عظيم أيضًا ككرام، وكريم وككبار وكبير، ومنه: الموالي العظام. بَلَى كلمة يجاب بها إذا كان الكلام منفيًّا، فالمراد بها هنا نعم نجمعها بعد تفرّقها. بَنَانَهُ والبنان مفرد اللفظ مجموع المعنى كالثمر،
وفي "القاموس": البنان: الأصابع أو أطرافها. قال الراغب: البنان: الأصابع، قيل: سُمِّيت بذلك؛ لأن بها إصلاح الأحوال التي يمكن للإنسان أن يُبِنَّ بها ما يريد؛ أي: يقيم. يقال: أبَنَّ بالمكان يَبِنُّ، لذلك خص بالذكر في قوله تعالى: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)، وقوله: وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ. خصه لأجل أنها يقاتل بها ويدافع.
لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ الفجر: شق الشيء شقًّا واسعًا، والفجور: شق ستر الديانة. وقال بعضهم: الفجور الميل، فالكاذب والمكذّب والفاسق فاجر؛ أي: مائل عن الحق، كما مرّ. أَمَامَهُ الأمام في الأصل ظرف مكان استعير هنا للزمان فالمعنى: بل يريد الإنسان ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات وفيما يستقبله من الزمان لا يرعوي عنه. أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أيّان ظرف زمان بمعنى متى، مركب من أيٍّ وآن؛ أي: أيّ آنٍ يوم القيامة. فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) يقال: برق بكسر الراء: إذا فزع ودهش، وأصله من برِق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره، ومنه قول ذي الرمة:
| وَلَوْ أَنَّ لُقْمَانَ الحَكِيْمَ تَعرَّضَتْ | لِعَيْنَيْهِ ميٌّ سَافِرًا كاد يَبْرَقُ |
| وَكُنْتُ أَرَى فِي وَجْهِ مَيَّةً لُمْحَةً | فَأَبْرَقُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ مَكانِيَا |
| لَعَمْرُكَ مَا لِلفَتَى مِنْ وَزَرْ | مِنَ الْمَوْتِ يُدْرِكُهُ وَالْكِبَرْ |
كالمناكير اسم جمع للمنكر. وقيل: جمع معذار، وهو الستر بلغة أهل اليمن؛ أي: أرخى ستوره. جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ؛ أي: جمعه في صدرك وإثبات قراءته في لسانك. فالقرآن مصدر بمعنى القراءة كالغفران بمعنى المغفرة مضاف إلى مفعوله، والقراءة: ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، كما مرّ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) من النضرة، وهو طراوة البشرة وجمالها، وذلك من أثر التنعم، والناضر الغض الناعم من كل شيء، ومعنى نَاضِرَةٌ حسنة مضيئة، يقال: نَضُر يَنضُر من باب دخل، ونضر ينضر من باب تعب، ونضر ينضر من باب ظرف نضرًا ونضرة ونضرًا ونضورًا ونضارة، نضر الوجه أو اللون أو الشجر أو غيرها إذا نعم وحسن، وكان جميلًا، فهو ناضر ونضر ونضير وأنضر العود أيضًا. قال الكميت:
| وَرَتْ بِكَ عِيْدَانُ الْمَكَارِمِ كُلِّهَا | وَأَوْرَقَ عُوْدِيْ فِي ثَرَاكَ وَأَنْضَرَا |
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) الألف فيه منقلبة عن واو لظهورها في التصغير سويق، وجمعه على سيقان لا ينافي ذلك، فالياء منقلبة عن واو لسكونها إثر كسرة. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) اسم فاعل إما من رقي بالفتح في الماضي والكسر في المضارع من الرقية، وهو كلام معد للاستشفاء يرقى به المريض ليشفى. وفي الحديث: "وما أدراك أنها رقية" يعني: الفاتحة، وهي من أسمائها. وإما من رقي بالكسر في صفحة رقم 468
الماضي والفتح في المضارع من الرّقيّ، وهو الصعود؛ أي: تقول الملائكة: من يصعد بهذا الروح. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) المساق مصدر ميمي، أصله: مسوق على وزن مفعل بفتح الميم والعين نقلت حركة الواو إلى السين فسكنت، لكنّها قلبت ألفًا لتحركها في الأصل، وفتح ما قبلها في الحال. وَلَا صَلَّى أصله: صلَّي بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. وَتَوَلَّى أصله: تولي بوزن تفعل، قلبت الياء ألفا لتحركها بعد فتح. يَتَمَطَّى أصله: يتمطى بوزن يتفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. أو أصله: يتمطط، قلبت الطاء الثالثة ياء، فهو إمّا من المطا، وهو الظهر، ومعناه: يتبختر؛ أي: يمد مطاه ويلويه تبخترًا في مشيته. أو من المط، وهو المد؛ لأنه يمد اليدين في مشيه، وإنما قلبت الطاء الثالثة ياءً لكراهة اجتماع الأمثال، ومادّة المطا (مَ طَ وَ) ومادّة الثاني: (مَ طَطَ). سُدًى؛ أي: هملًا لا يكلف بالشرائع، يقال: إبلٌ سدى؛ أي: مهملةً، وأسديت حاجتي؛ أي: ضيعتها، ومعنى أسدى إليه معروفًا أنه جعله بمعنى الضائع عند المسدى إليه لا يذكره ولا يمن به عليه. وفي "المصباح": والسدى: وزان الحصى من الثوب خلاف اللحمة، وهو ما يمد طولًا في النسج، وأسديت الثوب: أقمت سداه. والسدى أيضًا: ندى الليل، وبه يعيش الزرع، وسديت الأرض فهي سدية من باب تعب: كثر سداها، وسدا الرجل من باب غزا: مد يده نحو الشيء، وسدا البعير سدوا: مد يده في السير، وأسديته بالألف. تركته سدى؛ أي: مهملًا، وأسديت إليه معروفًا: اتخذته عنده. وأصله: سدي بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى وأصل منيّ منيءٌ بوزن فعيل، أدغمت ياء فعيل في لام الكلمة. يُمْنَى أصله: يمني بوزن يفعل، قلبت الياء ألفًا لتحركا بعد فتح. فَسَوَّى فيه إعلال بالقلب، أصله: فسوي بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا لتحركها بعد فتح. والنطفة: الماء الصافي قل أو كثر، والمني: ماء الرجل والمرأة المختلط. فالحبل لا يكون إلا من الماءين، يمنى أي: يصب ويراق في الرحم، كما مرّ. والعلقة: قطعة دم جامد غليظ أحمر، سميت لتعلقه بما أصابه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه السورة ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع.
فمنها: فنّ التقسيم في قوله: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)، وسمّاه صاحب "المثل السائر" التناسب بين المعاني، لتناسب الأمرين المقسم بهما، فقد أقسم بيوم البعث أوّلًا ثمّ بالنفوس المجزية فيه على حقيّة البعث والجزاء، فسبحان المتكلم بهذا الكلام.
ومنها: الطباق بين قَدَّمَ و أَخَّرَ وبين صَدَّقَ و كَذَّبَ.
ومنها: الاستفهام الإنكاري لغرض التوبيخ في قوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) ومثل قوله: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)؛ لأنَّ غايته التوبيخ والتقريع.
ومنها: زيادة اللام للتأكيد مثل قوله: وَأنصَحُ لَكُم في أنصحكم.
ومنها: استبعاد تحقق الأمر في قوله: يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)؛ لأن الغرض من الاستفهام الاستبعاد والإنكار.
ومنها: الجناس غير التام بين قوله: بَنَانَهُ وقوله: بَيَانَهُ لاختلاف بعض الحروف.
ومنها: المقابلة اللطيفة بين نضارة وجوه المؤمنين في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)، وبين عبوسة وجوه المجرمين في قوله: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤).
ومنها: المجاز المرسل في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)، لأنّ المراد بنظر الوجوه نظر العيون التي فيها بطريق ذكر المحلّ وإرادة الحال.
ومنها: الطباق بين الْعَاجِلَةَ، و الْآخِرَةَ في قوله: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١).
ومنها: الكناية في قوله: تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)؛ أي: داهية عظيمة؛ لأنه كناية عن غاية الشدّة وعدم القدرة على التحمل، فهي تتوقّع ذلك كما تتوقّع الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير بناء على أنّ قضيّة المقابلة بين الآيتين تقتضي ذلك.
ومنها: الاستعارة التمثيليّة في قوله: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩)؛ لأنّ فيه استعارةً تمثيلية لشدّة كرب الدنيا في آخر يوم منها، وشدة كرب الآخرة في أوّل يوم منها؛ لأنهما يومان قد التفّا ببعضهما، واختلطا بالكرب كما تلتفّ الساق بالساق، كما يقال: شمّرت الحرب عن ساق استعارة لشدّتها.
ومنها: الجناس الناقص بين لفظي السَّاقُ و الْمَسَاقُ ويسمّى أيضًا جناس التبديل، وهو الذي يوجد في إحدى كلمتيه حرف لا يوجد في الأخرى، وجميع حروف الأخرى يوجد في أختها على استقامتها، وهو ثلاثة أقسام: قسم تقع الزيادة منه أوّل الكلمة كزيادة الميم في الْمَسَاقُ، وقسم تقع الزيادة وسط الكلمة كقوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)، وقسم تقع الزيادة منه في آخر الكلمة كقوله تعالى: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ.
ومنها: الالتفات في قوله: أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)؛ لأنّ فيه التفاتًا من الغيبة إلى الخطاب تقبيحًا له وتشنيعًا.
ومنها: التكرير للتأكيد في قوله: ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥).
ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع.
والله سبحانه أعلم
* * *
خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة من الموضوعات
١ - إقسامه سبحانه بأمرين: القيامة والنفس اللوامة.
٢ - ذكر القيامة وأهوالها وأحوالها.
٣ - اهتمام النبي - ﷺ - بضبط القرآن عند تلاوة جبريل عليه.
٤ - انقسام الناس في الآخرة إلى فريقين: سعداء وأشقياء. فالسعداء وجوههم ناضرة، والأشقياء وجوههم باسرة.
٥ - ذكر حال المرء عند الاحتضار، وما يلقاه في ذلك الوقت من الشدائد والدواهي.
٦ - إثبات الحشر والمعاد بالأدلّة والبراهين العقلية حيث قال: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)... إلى آخر السورة (١).
والله أعلم
* * *
سورة الإنسان
سورة الإنسان وتسمى (١) سورة هل أتى، وسورة الأمشاج، وسورة الدهر. نزلت بعد سورة الرحمن. وقال مقاتل والكلبي: وهي مكية. وأخرج النحاس عن ابن عباس أنها نزلت بمكة، وأخرج ابن مروديه عن ابن الزبير مثله. وقيل: فيها مكيّ من قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) إلى آخر السورة، وما قبله مدنيٌ.
وآيها: إحدى وثلاثون آية. وكلماتها: مئتان وأربعون كلمة. وحروفها: ألف وأربعة وخمسون حرفًا.
ومناسبتها لما قبلها: أنه ذكر في السابقة الأهوال التي يلقاها الفجّار يوم القيامة، وذكر في هذه ما يلقاه الأبرار من النعيم المقيم في تلك الدار.
وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها (٢) ظاهرة جدًّا لا تحتاج إلى شرح انتهى.
الناسخ والمنسوخ فيها: وقال محمد بن حزم في "الناسخ والمنسوخ": سورة الإنسان كلّها محكم إلّا آيتين:
إحداهما: قوله تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) نسخت بآية السيف.
والآية الثانية: قوله تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) نسخ التخيير بآية السيف.
سبب نزول هذه السورة: ما أخرجه الطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحيشة إلى رسول الله - ﷺ - فقال له رسول الله - ﷺ -: "سل واستفهم، فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالألوان والصور والنبوة، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به، وعملت بما عملت به أني كائن معك في الجنة؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام، ثم قال:
(٢) المراغي.
من قال: لا إله إلا الله كان له عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده كتب له مئة ألف حسنة وأربع وعشرون ألف حسنة، ونزلت هذه السورة هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ إلى قوله: مُلْكًا كَبِيرًا. فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة، قال نعم، فاشتكى حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - يدليه في حفرته بيده".
وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن مطرف قال: حدثني الثقة: أن رجلًا أسود كان يسأل رسول الله - ﷺ - عن التسبيح والتهليل، فقال له عمر بن الخطاب: أكثرت على رسول الله - ﷺ -، فقال: مه يا عمر، وأنزلت على النبي - ﷺ - هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ حتى أتى على ذكر الجنة زفر الأسود زفرةً فخرجت نفسه، فقال النبي - ﷺ -: "مات شوقًا إلى الجنة". وأخرج نحوه ابن وهب عن ابن زيد مرفوعًا مرسلًا.
وأخرج أحمد، والترمذي وحسّنه، وابن ماجه وابن منيع، وأبو الشيخ في العظمة والحاكم، وصحّحه، والضياء عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حتى ختمها، ثم قال: "إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفراش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عزّ وجل".
والله أعلم
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١).المناسبة
أخبر سبحانه وتعالى أنّه قد جاء على الإنسان حين من الزمان لم يكن شيئًا يذكر، ويعرف، ثم ذكر أن أبناء آدم كانوا نطفًا في الأصلاب، ثم علقا، ثم مضغًا في الأرحام، ثم أوضح لهم السبيل، وبيّن لهم طريق الخير والشر، فمنهم الشاكر ومنهم الكفور.
قوله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ... الآية، مناسبة هذه الآيات لما صفحة رقم 475
قبلها: أنَّ الله سبحانه وتعالى لمّا ذكر (١) أنّه هدى الإنسان لطريق الخير وطريق الشرّ في قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)، ثم أردفه ببيان أنّ الناس انقسموا في ذلك فريقين: فريق وفّقه الله، واهتدى وشكر، وفريق أضلّه الله وكفر. أعقب ذلك بما أعدّه لكل منهما يوم القيامة، فأعدّ للأوّلين جنات ونعيمًا، فهم يشربون الخمر وهي ألذ شراب لديهم ممزوجة بماء عذب زلال طيب الرائحة، تأتيهم إلى غرفهم متى شاؤوا وكيف أرادوا، ويلبسون الحرير، ويجلسون على الأرائك لا يرون فيها حرًّا ولا قرًّا. ثم ذكر ما أعدوه في الدنيا لنيلهم هذا الثواب العظيم، فبين أنهم يطعمون الطعام للفقراء البائسين واليتامى والأسارى، ويؤدون ما وجب عليهم لربهم، ويخافون عذاب يوم القيامة. وأعد للآخرين سلاسل وقيودًا ونارًا تشوي الوجوه والأجسام.
قوله تعالى: مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر طعام أهل الجنة ولباسهم أردفه بوصف مساكنهم ثم وصف شرابهم وأوانيه وسقاته، ثم أعاد الكلام مرّةً أخرى بذكر ما تفضل به عليهم من فاخر اللباس والحليّ، ثم ألمع إلى أن هذا كان جزاء لهم على ما عملوا، وما زكوا به أنفسهم من جميل الخصال وبديع الخلال.
قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها، أنَّ الله سبحانه لمّا ذكر أحوال الآخرة، وبين عذاب الكفار على سبيل الاختصار، وثواب المطيعين على سبيل الاستقصاء إرشادًا لنا إلى أن جانب الرحمة مقدم على جانب العقاب.. أردف ذلك بذكر أحوال الدنيا، وقدم أحوال المطيعين وهم: الرسول - ﷺ - وأمته على أحوال المتمردين والمشركين. وقبل الخوض فيما يتعلق بالرسول من الأمر والنهي أمره بالصبر على ما يناله من أذى قومه إزالةً لوحشته وتقويةً لقلبه حتى يتم فراغ قلبه، ويشتغل بطاعة ربّه، وهو على أتمّ ما يكون سرورًا ونشاطًا.
أسباب النزول
قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) سبب نزول هذه
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الهرري الشافعي
هاشم محمد علي مهدي