ﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔ

فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ أي : لقضاء ربك.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : اصبر على أذى المشركين، ثم نسخ بآية القتال.
وقيل : اصبرْ لما حكم به عليك من الطَّاعات، أو انتظر حكم الله إذ وعدك بالنصر عليهم ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة، وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أي : ذا إثمٍ أَوْ كَفُوراً أي : لا تطع الكفار.
روى معمر عن قتادة، قال : قال أبو جهل : إن رأيتُ محمداً لأطأنَّ على عنقه، فأنزل الله تعالى : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ١.
وقيل : نزلت في عتبة بن أبي ربيعة والوليد بن المغيرة، وكانا أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج على أن يترك ذكر النبوة ففيهما نزلت، وعرض عليه عتبة ابنته وكانت من أجمل النساء، وعرض عليه الوليد أن يعطيه من الأموال حتى يرضى، ويترك ما هو عليه، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات من أول «حم » السجدة، إلى قوله : فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [ فصلت : ١-١٣ ]، فانصرفا عنه وقال أحدهما : ظننت أنَّ الكعبة ستقع عليَّ.
قوله : أَوْ كَفُوراً . في «أوْ » هذه أوجه :
أحدها : أنها على بابها، وهو قول سيبويه.
قال أبو البقاء : وتفيد في النهي عن الجميع، لأنك إذا قلت في الإباحة : جالس الحسن أو ابن سيرين كان التقدير : جالس أحدهما، فإذا نهي قال : لا تكلم زيدا أو عمرا، فالتقدير : لا تكلم أحدهما، فأيهما كلمه كان أحدهما فيكون ممنوعاً منه، فكذلك في الآية، ويؤول المعنى إلى تقدير : ولا تطع منهما آثماً ولا كفوراً.
قال الزمخشري رحمه الله : فإن قلت : معنى «أو » ولا تطع أحدهما، فهلا جيء بالواو لتكون نهياً عن طاعتهما جميعاً ؟.
قلت : لو قال : لا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما، وإذا قيل : لا تطع أحدهما علم أن الناهي عن طاعة أحدهما هو عن طاعتهما جميعاً أنهى، كما إذا نهي أن يقول لأبويه :«أفٍّ » علم أنه منهي عن ضربهما على طريق الأولى.
الثاني : أنها بمعنى «لا » أي : لا تطع من أثم ولا من كفر.
قال مكي :«وهو قول الفراء، وهو بمعنى الإباحة التي ذكرنا ».
الثالث : أنها بمعنى الواو، وقد تقدم أن ذلك قول الكوفيين.
والكفور وإن كان يستلزم الإثم إلا أنه عطف لأحد أمرين :
إما أن يكونا شخصين بعينهما كما تقدم فالآثم عتبة، والكفور الوليد.
وإما لما قاله الزمخشري :«فإن قلت : كانوا كلهم كفرةً، فما معنى القسمة في قوله «آثماً أو كفوراً ؟.
قلت : معنا لا تطع منهم راكباً لما هو إثم داعياً إليه أو فاعلاً لما هو كفر داعياً لك إليه، لأنهم إمَّا أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر، أو غير إثم ولا كفر، فنهي أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث ».

فصل


قال ابن الخطيب٢ : قوله تعالى : فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ يدخل فيه ألاَّ تطع فيه آثماً أو كفوراً، فكأن ذكره بعد ذلك تكرار ؟.
والجواب : أن الأول أمر بالمأمورات، والثاني : نهي عن المنهيات، ودلالة أحدهما على الآخر بالالتزام لا بالتصريح، فيكون التصريح منه مفيداً.
فإن قيل : إنه صلى الله عليه وسلم ما كان يطيع أحداً منهم، فما فائدة هذا النهي ؟.
فالجواب : أن المقصود بيان أن الناس محتاجون إلى مواصلة التنبيه والإرشاد لأجل ما تركب فيهم من الشهوة الداعية إلى الفساد، وأن أحداً لو استغنى عن توفيق الله - تعالى - وإرشاده لكان أحق الناس به هو الرسول المعصوم - عليه الصلاة والسلام - ومتى ظهر ذلك عرف كل مسلم أنه لا بدَّ من الرغبة إلى الله - تعالى - والتضرع إليه أن يصونه عن الشُّبهات والشَّهوات.
فإن قيل : ما الفرقُ بين الآثم والكفور ؟.
فالجواب : أن الآثم هو الآتي بالمعاصي أيِّ معصيةٍ كانت، والكفُور : هو الجاحد للنعمة، فكل كفور آثم، وليس كل آثم كفوراً، لأن الإثم عام في المعاصي كلها، قال الله تعالى : وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً [ النساء : ٤٨ ].
فسمى الشرك آثماً، وقال تعالى : وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [ البقرة : ٢٨٣ ] وقال تعالى : وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإثم وَبَاطِنَهُ [ الأنعام : ١٢٠ ]، وقال تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ [ البقرة : ٢١٩ ]. قد نزلت هذه الآيات على أن الإثم جميع المعاصي.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٧٣) عن قتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٩٠) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر..
٢ ينظر الفخر الرازي ٣٠/٢٢٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية