فاصبر لِحُكم ربك في تأخير نصرك، فإنّ له عاقبة حميدة، أو : اصبر لتبليغ الرسالة، وتحمل الأذى ؛ فإن العاقبة لك، ولا تُطِعْ منهم آثماً أو كفوراً أي : لا تُطع الآثم في إثمه، ولا الكافر في كفره، أي : لا تُطع كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه، أو من الغَالي في الكفر الداعي إليه، و " أو " للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به، باعتبار ما يدعون إليه، فإنَّ ترتيب الوصف على الوصفين مشعر بعليتهما، فلا بد أن يكون النهي عن الإطاعة في الإثم والكفر، لا فيما ليس بإثم ولا كفر.
وقيل : الآثم : عُتبة، فإنه كان ركّاباً متعاطياً لأنواع الفسوق، والكفور : الوليد، فإنه كان غالياً في الكفر، شديد الشكيمة في العتو. والظاهر : أنّ المراد كل آثم وكافر، أي : لا تُطع أحدهما، وإذا نهى عن طاعة أحدهما لا بعينه، فقد نهى عن طاعتهما معاً، ولو كان بالواو لجاز أن يُطيع أحدهما ؛ لأن الواو للجمع، فيكون منهياً عن طاعتهما، لا عن طاعة أحدهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إنّا أنزلنا عليك أيها الخليفة القرآن، أي : الجمع على ربك في قلبك وسرك، تنزيلاً مترتباً شيئاً فشيئاً على حسب التهذيب والتدريب، فاصبرْ لحُكم ربك، أي : ما حَكَم به عليك من قهرية الجلال، وارتكاب الأهوال، ومقاسات الأحوال، فإنَّ العاقبةَ شهودُ الكبير المتعالي، وبذلُ المُهج والأرواح قليل في حقه، ولا تُطع في حال سيرك آثماً يريد أن يميلك عن قصد السبيل، أو كفوراً بطريق الخصوص يريد أن يصرفك عنها، واذكر اسم ربك، أي : استغرق أنفاسك في ذكر اسمه الأعظم، وهو الاسم المفرد ؛ الله الله، فتكثر منه بكرة وأصيلاً، وآناء الليل والنهار، ومن الليل فاسجدْ له وسبَّحه ليلاً طويلاً، أي : ومن أجل ليل القطيعة اخضع وتضرَّع وسَبِّح في الأسحار، خوفاً من أن يقطعك عنه، فيظلم عليك ليل وجودك، فتحجب به عن ربك، إنَّ هؤلاء المحجوبين بوجودهم وحظوظِ نفوسهم، يُحبون العاجلة، فيؤثرون هواهم على محبة مولاهم، ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً، يوم يُساق أهل التخفيف من المريدين إلى مقعد صدق زُمراً، ويتخلّف أهل النفوس في موقف الحساب. إنَّ هذه تذكرة لمَن فتحت بصيرته وأبصر الحق وأهله، فمَن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً، بإيثار صحبته أهل الحق والتحقيق، حتى يردون به حضرة التحقُّق، لكن الأمر كله بيد الله، وما تشاؤون إلاَّ أن يشاء الله، فمَن شاء عنايته أدخله في رحمة هدايته، ومَن شاء خذلانه سلك به مسلك الضلالة، والعياذ بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.