ثم بيّن سبحانه ما أعدّ للكافرين فقال : إِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سلاسلاً وأغلالا وَسَعِيراً قرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن عامر :«سلاسلاً » بالتنوين، ووقف قنبل عن ابن كثير وحمزة بغير ألف، والباقون وقفوا بالألف. ووجه من قرأ بالتنوين في سلاسل مع كون فيه صيغة منتهى الجموع أنه قصد بذلك التناسب لأن ما قبله وهو إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ، وما بعده وهو أغلالاً وَسَعِيراً منوّن ؛ أو على لغة من يصرف جميع ما لا ينصرف، كما حكاه الكسائي وغيره من الكوفيين عن بعض العرب. قال الأخفش : سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف، لأن الأصل في الأسماء الصرف وترك الصرف لعارض فيها. قال الفراء : هو على لغة من يجرّ الأسماء كلها إلاّ قولهم : هو أظرف منك فإنهم لا يجرّونه، وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم :
كأن سيوفنا فينا وفيهم *** مخاريق بأيدي لاعبينا
ومن ذلك قول الشاعر :
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم *** خضع الرقاب نواكس الأبصار
بكسر السين من نواكس، وقول لبيد :
وحسور أستار دعوني لحتفها *** بمعالق متشابه أعلاقها
وقوله أيضاً :
فضلاً وذو كرم يعين على الندى *** سمح لشوب رغائب غنامها
وقيل : إن التنوين لموافقة رسم المصاحف المكية والمدنية والكوفية فإنها فيها بالألف. وقيل : إن هذا التنوين بدل من حرف الإطلاق، ويجري الوصل مجرى الوقف، والسلاسل قد تقدّم تفسيرها، والخلاف فيها هل هي القيود، أو ما يجعل في الأعناق، كما في قول الشاعر :
. . . ولكن *** أحاطت بالرقاب السلاسل والأغلال
جمع غلّ تغلّ به الأيدي إلى الأعناق، والسعير : الوقود الشديد، وقد تقدّم تفسير السعير.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني