إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا إن الإبرار يَشْربونَ في الأبرار قولان: أحدهما: أنهم الصادقون، قاله الكلبي. الثاني: المطيعون، قاله مقاتل.
صفحة رقم 164
وفيما سُمّوا أبراراً ثلاثة أقاويل: أحدها: سمّوا بذلك لأنهم برّوا الآباء والأبناء، قاله ابن عمر. الثاني: لأنهم كفوا الأذى، قاله الحسن. الثالث: لأنهم يؤدون حق الله ويوفون بالنذر، قاله قتادة. وقوله مِن كأسٍ يعني الخمر، قال الضحاك: كل كأس في القرآن فإنما عنى به الخمر. وفي وقوله كان مِزاجها كافوراً قولان: أحدهما: أن كافوراً عين في الجنة اسمها كافور، قاله الكلبي. الثاني: أنه الكافور من الطيب فعلى هذا في المقصود منه في مزاج الكأس به ثلاثة أقاويل: أحدها: برده، قال الحسن: ببرد الكافور وطعم الزنجبيل. الثاني: بريحه، قاله قتادة: مزج بالكافور وختم بالمسك. الثالث: طعمه، قال السدي: كأن طعمه طعم الكافور. عَينْاً يَشْرَبُ بها عبادُ اللَّهِ يعني أولياء اللَّه، لأن الكافر لا يشرب منها شيئاً وإن كان من عباد الله، وفيه وجهان: أحدهما: ينتفع بها عباد الله، قاله الفراء. الثاني: يشربها عباد الله. قال مقاتل: هي التسنيم، وهي أشرف شراب لاجنة، يشرب بها المقربون صِرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة بالخمر واللبن والعسل. يُفَجِّرونَها تفْجيراً فيه وجهان: أحدهما: يقودونها إلى حيث شاءوا من الجنة، قاله مجاهد. الثاني: يمزجونها بما شاءوا، قاله مقاتل. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يستخرجوه من حيث شاءوا من الجنة. وفي قوله (تفجيراً) وجهان:
صفحة رقم 165
أحدهما: أنه مصدر قصد به التكثير. الثاني: أنهم يفجرونه من تلك العيون عيوناً لتكون أمتع وأوسع. يُوفُونَ بالنّذْرِ فيه أربعة أوجه: أحدها: يوفون بما افترض الله عليهم من عبادته، قاله قتادة. الثاني: يوفون بما عقدوه على أنفسهم من حق الله، قاله مجاهد. الثالث: يوفون بالعهد لمن عاهدوه، قاله الكلبي. الرابع: يوفون بالإيمان إذا حلفوا بها، قاله مقاتل. ويحتمل خامساً: أنهم يوفون بما أُنذِروا به من وعيده. ويَخافون يوْماً كان شَرُّه مُسْتَطيراً قال الكلبي عذاب يوم كان شره مستطيراً، وفيه وجهان: أحدهما: فاشياً، قاله ابن عباس والأخفش. الثاني: ممتداً، قاله الفراء، ومنه قول الأعشى:
| (فبانتْ وقد أَوْرَثَتْ في الفؤادِ | صَدْعاً على نأيها مُستطيرا) |
ويحتمل وجهاً رابعاً: أن يريد بالأسير الناقص العقل، لأنه في أسر خبله وجنونه، وإن أسر المشركين انتقام يقف على رأي الإمام وهذا بر وإحسان. إنّما نُطْعِمُكم لوجْهِ اللهِ قال مجاهد: إنهم لم يقولوا ذلك، لكن علمه الله منهم فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب. لا نُريدُ منكم جزاءً ولا شُكوراً جزاء بالفعال، وشكوراً بالمقال وقيل إن هذه الآية نزلت فيمن تكفل بأسرى بدر، وهم سبعة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعيد وأبو عبيدة. إنّا نخافُ من ربِّنا يوماً عَبوساً قمْطريراً فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن العبوس الذي يعبس الوجوه من شره، والقمطرير الشديد، قاله ابن زيد. الثاني: أن العبوس الضيق، والقمطرير الطويل، قاله ابن عباس، قال الشاعر:
| (شديداً عبوساً قمطريراً تخالهُ | تزول الضحى فيه قرون المناكب.) |
| (يَغْدو على الصّيْدِ يَعودُ مُنكَسِرْ | ويَقْمَطُّر ساعةً ويكْفَهِرّ.) |
الثالث: أنها أثر النعمة، قاله ابن زيد. وجَزاهم بما صَبروا يحتمل وجهين: أحدهما: بما صبروا على طاعة الله. الثاني: بما صبروا على الوفاء بالنذر. جَنَّةً وحريراً فيه وجهان: أحدهما: جنة يسكنونها، وحريراً يلبسونه. الثاني: أن الجنة المأوى، والحرير أبد العيش في الجنة، ومنه لبس الحرير ليلبسون من لذة العيش. واختلف فيمن نزلت هذه الآية على قولين: أحدهما: ما حكاه الضحاك عن جابر أنها نزلت في مطعم بن ورقاء الأنصاري نذر نذراً فوفاه. الثاني: ما حكاه عمرو عن الحسن أنها نزلت في علي وفاطمة... رضي الله عنهما - وذلك أن علياً وفاطمة نذرا صوماً فقضياه، وخبزت فاطمة ثلاثة أقراص من شعير ليفطر علّي على أحدها وتفطر هي على الآخر، ويأكل الحسن والحسين الثالث، فسألها مسكين فتصدقت عليه بأحدها، ثم سألها يتيم فتصدقت عيله بالآخر، ثم سألها أسير فتصدقت عليه بالثالث، وباتوا طاوين.
صفحة رقم 168النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود