قوله تعالى : فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً
قال ابن الخطيب١ : هذه «الفاء » للجزاء، فنبَّه على أنَّ الأمر بالذوق معلَّل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم، فهذه «الفاء » أفادت عين فائدة قوله :«جزاء وفاقاً ».
فإن قيل : أليْسَ أنه - تعالى - قال في صفة الكفار : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله [ البقرة : ١٧٤ ].
فها هنا لمَّا قال تعالى لهم :«فذوقوا »، فقد كلَّمهُمْ ؟.
فالجواب : قال أكثر المفسرين : ويقال لهم :«فَذُوقُوا ».
ولقائلٍ أن يقول : قوله : فَلَن نَّزِيدَكُمْ لا يليق إلا بالله، والأقرب في الجواب أن يقال : قوله : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ [ آل عمران : ٧٧ ] معناه : ولا يكلمهم بالكلام الطيب النافع، فإن تخصيص العموم سائغ عند حصول القرينة، فإن قوله : وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ [ آل عمران : ٧٧ ] إنما ذكره لبيان أنَّه - تعالى - لا يقيم لهم وزناً، وذلك لا يحصل إلا من الكلام الطيب.
فإن قيل : إن كانت هذه الزيادة غير مستحقة كانت ظلماً، وإن كانت مستحقة كان تركها في أول الأمر إحساناً، والكريم لا يليق به الرجوع في إحسانه.
والجواب : أنَّها مستحقةٌ، ودوامها زيادة لفعله بحسب الدوام، وأيضاً : فترك المستحق في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط.
فصل في الالتفات في هذه الآية
قال ابنُ الخطيبِ٢ : قوله تعالى : فَذُوقُواْ يفيد معنى التعليل، وهو التفات من الغيبةِ للخطابِ، فهو دالٌّ على الغضبِ، وفيه مبالغاتٌ : منها أنَّ «لن » للتأكيد، ومنها الالتفات، ومنها إعادة قوله :«فذوقوا » بعد ذكر العذاب، قال أبو بزرة رضي الله عنه : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أشد آية في القرآن، قال عليه الصلاة والسلام : قوله : فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ٣ [ النبأ : ٣٠ ] أي : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا [ النساء : ٥٦ ]، و كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً [ الإسراء : ٩٧ ].
٢ السابق..
٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٠٤)، عن أبي برزة موقوفا وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود