المعنى الجملي : بعد أن نبه عباده إلى هذه الظواهر الباهرة، ولفت أنظارهم إلى آياته القاهرة، أخذ يبين ما اختلفوا فيه ونازعوا في إمكان حصوله وهو يوم الفصل، ويذكر لهم بعض ما يكون فيه تخويفا لهم من الاستمرار على التكذيب بعدما وضحت الأدلة واستبان الحق، ثم أبان لهم أن هذا يوم شأنه عظيم وأمر الكائنات فيه على غير ما تعهدون، ثم ذكر منزلة المكذبين الذين جحدوا آيات الله واتخذوها هزوا، وأن جهنم مرجعهم الذي ينتهون إليه، وأنهم سيقيمون فيها أحقابا طوالا لا يجدون شيئا من النعيم والراحة، ولا يذوقون فيها روحا ينفس عنهم حر النار، ولا يذوقون من الشراب إلا الماء الحار والصديد الذي يسيل من أجسادهم، جزاء سيئ أعمالهم، إذ هم كانوا لا ينتظرون يوم الحساب، ومن ثم اقترفوا السيئات، وارتكبوا مختلف المعاصي، وكذبوا الدلائل التي أقامها الله على صدق رسوله أشد التكذيب، وقد أحصى الله كل شيء في كتاب علمه، فلم يغب عنه شيء صدر منهم، وسيوفيهم جزاء ما صنعوا، وستكون له كلمة الفصل، فيقول لهم : فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا .
وبعد أن بين قبائح أفعالهم لكفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات- رتب عليه هذا الجزاء فقال :
فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا أي فذوقوا ما أنتم فيه من العذاب الأليم، فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه كما قال : وآخر من شكله أزواج [ ص : ٥٨ ].
روى قتادة عن عبد الله بن عمرو أنه قال : لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية : فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا .
ذاك أن فيها تقريعا وتوبيخا لهم في يوم الفصل، وغضبا من أرحم الراحمين، وتيئيسا لهم من الغفران.
تفسير المراغي
المراغي