ﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

ويقول المولى سبحانه وتعالى بعد ذلك :
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ( ١٤ ) :
وذلكم إشارة للأمر الذي حدث في موقعة بدر من ضرب المؤمنين للكافرين فوق الأعناق، وضرب كل بنان كافر، وإن ربنا شديد العقاب، وهذا الأمر كان يجب أن يذوقه الكافرون. والذوق هو الإحساس بالمطعوم شرابا كان أو طعاما، إلا أنه تعدى كل محسّ به ولو لم يكن مطعوما أو مشروبا ويقول ربنا عز وجل : ذق إنك أنت العزيز الكريم ( ٤٩ ) ( سورة الدخان ) : أي ذق الإهانة والمذلة مما يُطعم أو مما يُشرب، ولكن بالإحساس ؛ لأن ذوق الطعام هو الحاسة الظاهرة في الإنسان ؛ قد يجده بالذوق حريفا، أو حلوا، أو خشنا أو ناعما إلى غير ذلك. وها هو الحق يضرب لنا المثل على تعميم شيء : فيقول عز وجل :
{ وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرتْ بأنعُم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ( ١١٢ )( سورة النحل ).
والجوع سلب الطعام، فكيف تكون إذاقة الجوع ؟ الجوع ليس مما يذاق، ولا اللباس مما يذاق، ومن قول الحق تبارك وتعالى نفهم أن الإذاقة هي الإحساس الشديد بالمطعوم، واللباس –كما نعلم- يعم البدن، فكأن الإذاقة تعك كل البدن، فالأنامل تذوق، والصدر يذوق، والرقبة تذوق، وكأن الجوع قد صار محيطا بالإنسان كله. وهنا يقول المولى سبحانه وتعالى : ذلكم فذوقوه .
والذوق غير البلع والشبع، ونرى ذلك في عالمنا السِّلعي والتجاري ؛ فساعة تشتري –على سبيل المثال- جوافة، أو بلحا أو تينا، يقول لك البائع، إنها فاكهة حلوة، ذق منها، ولا يقول لك كل منها واشبع، إنه يطلب منك أن تجرب طعم الفاكهة فقط ثم تشتري لتأكل بعد ذلك حسب رغبتك وطاقتك. وما نراه في الدنيا هو مجرد ذوق ينطبق عليه المثل الريفي " على لساني ولا تنساني "، والعذاب الذي رآه الكفار على أيدي المؤمنين مجرد ذوق هيّن جدا بالنسبة لما سوف يرونه في الآخرة من العقاب الشديد والعذاب الأليم، وسيأتي الشبع من العذاب في الآخرة، لماذا ؟ ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ، وهذا اللون من إذاقة الذل والإهانة في الدنيا لهؤلاء الكفار المعاندين، مجرد نموذج بسيط لشدة عقاب الله على الكفر، وفي يوم القيامة يطبق عليهم القانون الواضح في قوله سبحانه وتعالى : وأن للكافرين عذاب النار .
إذن فالهزيمة لمعسكر الكفر والذلة هي مجرد نموذج ذوق هين لما سوف يحدث لهم يوم القيامة من العذاب الأليم والحق سبحانه وتعالى هو القائل :
وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ( من الآية ٤٧ سورة الطور }.
وعذاب الآخرة سيكون مهولا، و " العذاب " هو إيلام الحس، إذا أحببت أن تديم ألمه، فأبق فيه آلة الإحساس بالألم، ولذلك تجد الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم عن سليمان والهدهد يقول :
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ( ٢٠ ) لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ( ٢١ ) ( سورة النمل ).
كأن الذبح ينهي العذاب، بدليل أنّ مقابل العذاب في هذا الموقف هو الذبح. وماذا عن عذاب النار ؟ إن النار المعروفة في حياتنا تحرق أي شيء تدخله فيها، لكنّ نار الآخرة تختلف اختلافا كبيرا لأن الحق هو القائل :
كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ( من الآية ٥٦ سورة النساء }.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير