واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ٢٦ [ الأنفال : الآية ٢٦ ].
[ أي : واذكروا حين كان ]١ عددكم قليل جدا مستضعفون في الأرض، أي : يستضعفكم أعداؤكم، يرونكم ضعفاء، ويعاملونكم معاملة القوي للضعيف، وهذا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنهم كانوا في [ مكة ]٢ قبل الهجرة عددهم قليل، والكفار يستضعفونهم، ويضربونهم، ويعذبون بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا مختفين في دار الأرقم بن أبي الأرقم قبل إسلام عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه )، وكان لهم بعض عزة نسبيا بإسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب ( رضي الله عنهما ). واذكروا نعمة الله وتذكروا ما نقلكم به من حال الضعف إلى حال القوة، ومن حال القلة إلى حالة الكثرة، وتذكروا هذا الإنعام لتشكروا لمن أنعم عليكم به. وهذا معنى قوله : واذكروا إذ أنتم قليل } القليل : ضد الكثير، والمستضعف : الذي يراه غيره ضعيفا ويعامله معاملة القوي للضعيف.
في الأرض هي : أرض مكة التي كانوا فيها قبل الهجرة.
تخافون الخوف في لغة العرب : هو الغم من أمر مستقبل. والحزن في لغة العرب : الغم من أمر فائت – أعاذنا الله منهما- وربما وضعت العرب الخوف في معنى الحزن، والحزن، في معنى الخوف.
تخافون أن يتخطفكم الناس [ الأنفال : الآية ٢٦ ] التخطف : هو أن يقع منهم الخطف مرة بعد مرة. والخطف في لغة العرب معناه : الأخذ بسرعة، فكل ما أخذته بسرعة شديدة فقد خطفته أن يتخطفكم الناس لقتلكم وضعفكم ليست لكم مناعة بكثرة ولا بقوة، فالناس قادرون على أن يتخطفوكم ويأخذوكم بسرعة واحدا واحدا فيقتلوكم.
فآواكم جل وعلا، أي : ضمكم إلى عزة ومنعه بأن ضمكم إلى هذه المدينة –حرسها الله- وقواكم بالأنصار، هداهم فأسلموا، وكان لكم محل مأوى وقوة.
وأيدكم بنصره العرب تقول :( أيده ) إذا قواه. ( ورجل أيد ). معناه : قوي، و( الأيد ) في اللغة و( الآد ) معناه : القوة، ومنه : والسماء بنيناها بأييد [ الذاريات : الآية ٤٧ ] أي : بقوة. فليست من آيات الصفات. ووزن ( أيد ) :( فعل )، أما ( الأيدي ) التي هي جمع ( يد ) فوزنها بالميزان الصرفي ( أفعل )، فوزن قوله : والسماء بنيناها بأييد أيد معناه :( فهل ) من ( أيد ) بمعنى : القوة، والعرب تقول :( فلان أيد ) أي : قوي، و( رجل ذو أيد وآد ) أي : ذو قوة وأيدكم قواكم بنصره.
والنصر في لغة العرب : إعانة المظلوم. نصرهم الله بالأنصار، وقواهم بكثرة المؤمنين وقوة شوكتهم، وبما أوقع بالكفار يوم بدر، بإنزال الملائكة تثبتهم، وتلقي الرعب في قلوب عدوهم. وهذا معنى قوله : فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات كأن في الكلام محذوفا دل المقام عليه واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض فقراء لا أموال لكم فأواكم الله وقواكم بنصره وجعل لكم الأموال ورزقكم من الطيبات كما رزقكم بغنائم يوم بدر، وهو مال طيب أطابه الله لهم بعد أن لامهم عليه لوما شديدا. وقال : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخدتم عذاب عظيم ٦٨ [ الأنفال : الآية ٦٨ ] ثم قال بعد ذلك فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا [ الأنفال : الآية ٦٩ ] وهي الطيبات التي رزقهم ورزقكم من الطيبات لعللكم تشكرون [ الأنفال : الآية ٢٦ ] لله نعمه.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن الشكر في القرآن يطلق من الرب لعبده، ويطلق من العبد لربه.
فإطلاق الشكر من الرب لعبده كقوله : إن ربنا لغفور شكور [ فاطر : الآية ٣٤ ] ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم [ البقرة : الآية ١٥٨ ].
وإطلاقه من العبد لربه : وقليل من عبادي الشكور بسبأ : الآية ١٣ ] لعلكم تشكرون [ البقرة : الآية ١٨٥ ].
فشكر الرب لعبده معناه : أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل.
وشكر العبد لربه قال بعض العلماء : ضابطه المنطبق على جزئياته : هو أن يستعمل جميع نعم الله فيما يرضي الله، فهذه العيون التي فتحها في أوجهكم تبصرون بها، نعم عظمى منه إليكم، فشكرها : أن لا تستعملوها إلا في طاعة الله، ولا تنظروا بها إلا فيم يرضي من خلقها ومن عليكم بها، وهكذا الأيدي والأرجل وسائر النعم. أما العبد المسكين الضعيف الذي ينعم عليه خالق السموات والأرض بنعمه ثم يصرف نعمه فيما يسخطه ويغضبه فهذا مجنون. وهذا معنى قوله : لعلكم تشكرون أي : لأجل أن تشكروا على ذلك الإنعام.
٢ في الأصل: (المدينة) وهو سبق لسان.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير