وليعطي كتاب الله شاهدا حيا على صدق محتوى هذه الآية الكريمة، وعلى كون الدعوة الإسلامية كانت فعلا نقطة الانطلاق لإقامة حياة عزيزة الجانب موفورة البركات، جاء قوله تعالى في هذا السياق بعد بضع آيات : واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون فمن القلة إلى الكثرة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الحجر إلى الرشد، ومن الضيق والخصاصة إلى السعة والغنى عن الناس، ومن الانكسار إلى الانتصار.
والتعبير هنا بقوله تعالى : تخافون أن يتخطفكم الناس تعبير حقيقي ينطبق على الواقع، فقد كان عدد المسلمين في بداية أمرهم بمكة أقل من القليل، وهم لا يتجاوزون بضع عشرات، وكانوا كالنقطة البيضاء في جلد الثور الأسود، إذ ليس في العالم باستثنائهم إذ ذاك إلا مشرك أو مجوسي أو يهودي أو نصراني، والكل يحوك لهم الدسائس، ويتربص بهم الدوائر، وينتظر لهم أسوأ مصير، فلم تمض إلا سنوات معدودة حتى نصر الله عبده، وهزم الأحزاب وحده، وفك عن الإسلام الحصار المضروب من حوله، وانطلق كالموج الزاخر يزحف في مده الطالع من مكان إلى آخر، وكالشمس المضيئة تسطع على بقاع العالم بقعة بعد أخرى.
ويقابل معنى الحياة والإحياء المستفاد من قوله تعالى هنا في هذا الربع : استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم معنى الهلاك والفناء المضاد له، المستفاد من قوله تعالى في سورة البقرة : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين . روى الترمذي وصححه، وأبو داوود، والنسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال الحاكم إنه على شرط الشيخين، وابن جرير في تفسيره، كلهم من حديث يزيد ابن أبي حبيب عن " أسلم " مولى عمران التجيبي قال : " حمل رجل من المسلمين على صف الروم في غزوة كانوا يغزونها حتى دخل فيهم، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس : ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري، أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على غير التأويل، نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا معشر الأنصار، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر واجتمعنا معشر الأنصار تخفيا، فقلنا قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونصره، حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فأنزل الله تعالى على نبيه يرد علينا ما قلنا : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة فكانت التهلكة في الإقامة في الأهل والمال وفي ترك الجهاد. قال " أسلم " راوي هذا الحديث : فما زال أبو أيوب الأنصاري شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.
وقد نبه مصلحو الإسلام في القرن الأخير، وفي طليعتهم حكيم المشرق جمال الدين الأفغاني الحسيني ومؤرخ المغرب أحمد ابن خالد الناصري الجعفري إلى أن أهم سبب كان ولا يزال لطمع الأجانب في العالم الإسلامي هو إهمال المسلمين، لما أمرهم الله به وحضهم عليه، من العناية التامة بالقوة العسكرية، والفنون الحربية، ومن تركهم الاستعداد للجهاد، واعتمادهم في العدة والعتاد على نفس الأجانب الطامعين في السيطرة على العباد والبلاد.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري