شرح الكلمات:
استجيبوا ١: اسمعوا وأطيعوا.
لما يحييكم٢: أي لما فيه حياتكم ولما هو سبب في حياتكم كالإيمان والعمل الصالح والجهاد.
فتنة: أي عذاباً تفتنون به كالقحط أو المرض أو تسلط عدو.
مستضعفون: أي ضعفاء أمام أعدائكم يرونكم ضعفاء فينالون منكم.
ورزقكم من الطيبات: جمع طيب من سائر المحللات من المطاعم والمشارب وغيرها.
لعلكم تشكرون: رجاء أن تشكروه تعالى بصرف النعمة في مرضاته.
معنى الآيات:
هذا هو النداء الثالث بالكرامة للمؤمنين الرب تعالى يشرفهم بندائه ليكرمهم بما يأمرهم به أو ينهاهم عنه تربية لهم وإعداداً لهم لسعادة الدارين وكرامتهما فيقول يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم وهو بمعنى النداء الأول أطيعوا الله ورسوله. وقوله لما يحييكم إشعار بأن أوامر الله تعالى ورسوله كنواهيهما لا تخلوا أبداً مما يحيي المؤمنين٣ أو يزيد في حياتهم أو يحفظها عليهم، ولذا وجب أن يطاع الله ورسوله ما أمكنت طاعتهما. وقوله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه تنبيه عظيم للمؤمنين إذا سنحت لهم فرصة للخير ينبغي أن يفترصوها قبل الفوات لاسيما إذا كانت دعوة من الله أو رسوله، لأن الله تعالى قادر على أن يحول بين المرء وما يشتهي وبين المرء وقلبه٤ فيقلب القلب ويوجهه إلى وجهة أخرى فيكره فيها الخير ويرغب في الشر قوله وأنه إليه
٢ {يحييكم أصلها يحييُكم بضم الياء الثانية إلاّ أن حركتها حذفت فسكنت تخفيفاً.وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب
٣ في الآية دليل على أن الكفر والجهل موت معنوي للإنسان، إذ بالإيمان والعلم تكون الحياة وبضدهما تكون الممات.
٤ روى غير واحد عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: "اللهم يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك" وروى مسلم عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: " اللهم مصرف القلوب صرّف قلوبنا إلى طاعتك".
تحشرون} فالذي يعلم أنه سيحشر رغم أنفه إلى الله تعالى كيف يسرع له عقله أن يسمع نداءه بأمره فيه أو ينهاه فيعرض عنه، وقوله واتقوا فتنة١ لا تصيبن٢ الذين ظلموا منكم خاصة تحذير آخر عظيم للمؤمنين من أن يتركوا طاعة الله ورسوله، ويتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فينتشر الشر ويعم الفساد، وينزل البلاء فيعم الصالح والطالح، والبار والفاجر٣، والظالم والعادل، وقوله واعلموا أن الله شديد العقاب. وهو تأكيد للتحذير بكونه تعالى إذا عاقب بالذنب والمعصية فعقابه قاس شديد لا يطاق فليحذر المؤمنون ذلك بلزوم طاعة الله ورسوله. وقوله تعالى: واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون هذه موعظة ربانية لأولئك المؤمنين الذين عايشوا الدعوة الإسلامية من أيامها الأولى بذكرهم ربهم بما كانوا عليه من قلة وضعف يخافون أن يتخطفهم الناس لقلتهم وضعفهم، فآواهم عز وجل إلى مدينة نبيه المنورة ونصرهم بجنده فعزوا بعد ذلة واستغنوا بعد عيلة وفاقة، ورزقهم من الطيبات من مطعم ومشرب وملبس ومركب، ورزقهم من الطيبات إكراماً لهم، ليعدهم بذلك للشكر إذ يشكر النعمة من عاشها ولابسها، والشكر حمد المنعم والثناء عليه وطاعته ومحبته وصرف النعمة في سبيل مرضاته، والله يعلم أنهم قد شكروا فرضي الله عنهم وأرضاهم وألحقنا بهم صابرين شاكرين.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
٢ إعراب هذه الجملة مشكل نكتفي بعرض صورتين: الأولى أنها كقوله: ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم أي: إن تدخلوا لا يحطمنّكم فيكون معنى الآية: إن تتقوا... لا تصيبنّ فدخلت نون التوكيد لما في التركيب من معنى الجزاء، والثانية: تكون على حذف القول أي: اتقوا فتنة مقول فيها: لا تصيبنّ الذين ظلموا... كقول الشاعر:
| حتى إذا جنّ الظلام واختلط | جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط |
٣ روى أحمد عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده قالت. قلت: يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون؟ قال بلى. قالت: كيف يصنع أولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان".
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري