وأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال : وقتلوهم حتى لا تكون فتنة [ الأنفال : الآية : ٣٩ ] ( لا تكون ) مضارع منصوب ب( أن ) مضمرة بعد ( حتى )، و( لا ) النافية لا تمنع من ذلك النصب حتى لا تكون فتنة قال أكثر العلماء : المراد بالفتنة هنا : الشرك. أي : حتى لا يبقى شرك على وجه الأرض. ويدل لهذا المعنى قوله بعده – يليه - : ويكون الدين كله لله لأن الدين لا يكون كله لله إلا إذا لم يبق على وجه الأرض شرك، فعندئذ يكون الدين كله لله. ويؤيد هذا المعنى وهذا التفسير الذي دلت عليه القرينة القرآنية قوله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله، فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ". هذا هو الأظهر. وجاء في صحيح البخاري في تفسير هذه الآية عن عبد الله بن عمر ( رضي الله عنهما ) ما يدل على أن المراد بالفتنة : فتنة الرجل عن دينه، كالمستضعف الذي إذا آمن حبسوه وأوثقوه، أو قتلوه حتى يترك دينه، يعني : قاتلوهم حتى ينتشر الإسلام، وتنكسر شوكة الكفر، بحيث لا يقدرون على رد إنسان عن دينه، ولا قتل إنسان ولا ضربه ولا إيثاقه بسبب الإسلام، لأنهم كانوا في أول الإسلام يفتنون الضعفاء عن دينهم، فكان أمية بن خلف – قبحه الله – يعذب بلالا فيضجعه في نهار الصيف في رمضاء مكة، فيضع الحجارة على صدره ويعذبه ليكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو يقول : أحد أحد. وكذلك أوذوا كثيرا، فقتل في ذلك أبو عمار بن ياسر وأمه، وأما هو فلما أرادوا أن يفعلوا به ذلك وخاف القتل قال كل ما يريدون منه، فسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيأتي – إن شاء الله – إيضاح قصته في الآية النازلة به في سورة النحل في قوله : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا الآية [ النحل : الآية ١٠٦ ]. وهذا معنى قوله : وقتلوهم حتى لا تكون فتنة [ الأنفال : الآية ٣٩ ] والقول الأول يدخل فيه هذا، لأنه إذ انتفى الشرك لا يكون هنالك كافر يفتن المسلمين عن دينهم، وهذا معنى قوله : ويكون الدين كله لله .
فإن انتهوا عن كفرهم وأسلموا : فإن الله جلا وعلا بما يعملون بصير فهو بصير بعملهم يجازيهم عليه،
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير