ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى تَزُولَ الْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ بِالتَّعْذِيبِ، وَضُرُوبِ الْإِيذَاءِ لِأَجْلِ تَرْكِهِ، كَمَا فَعَلُوا فِيكُمْ عِنْدَمَا كَانَتْ لَهُمُ الْقُوَّةُ وَالسُّلْطَانُ فِي مَكَّةَ، حَتَّى أَخْرَجُوكُمْ مِنْهَا لِأَجْلِ دِينِكُمْ ثُمَّ صَارُوا يَأْتُونَ لِقِتَالِكُمْ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ، وَحَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَفْتِنَ أَحَدًا عَنْ دِينِهِ; لِيُكْرِهَهُ عَلَى تَرْكِهِ إِلَى دِينِ الْمُكْرِهِ لَهُ فَيَتَقَلَّدُهُ تُقْيَةً وَنِفَاقًا - وَنَقُولُ: إِنَّ الْمَعْنَى بِتَعْبِيرِ هَذَا الْعَصْرِ: وَيَكُونُ الدِّينُ حُرًّا، أَيْ يَكُونُ النَّاسُ أَحْرَارًا فِي الدِّينِ لَا يُكْرَهُ أَحَدٌ عَلَى تَرْكِهِ إِكْرَاهًا، وَلَا يُؤْذَى وَيُعَذَّبُ لِأَجْلِهِ تَعْذِيبًا، وَيَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (٢: ٢٥٦) وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ بَعْضَ الْأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ أَوْلَادٌ تَهَوَّدُوا وَتَنَصَّرُوا مُنْذُ الصِّغَرِ فَأَرَادُوا إِكْرَاهَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ فَنَزَلَتْ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِهِمْ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ إِنَّمَا يُقَاتِلُونَ لِحُرِّيَّةِ دِينِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يُكْرِهُوا عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ دُونِهِمْ، وَمَا رَضِيَ اللهُ وَرَسُولُهُ فِي مُعَاهَدَةِ الْحُدَيْبِيَةِ بِتِلْكَ الشُّرُوطِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا الْمُشْرِكُونَ إِلَّا لِمَا فِيهَا مِنَ الصُّلْحِ الْمَانِعِ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ، الْمُبِيحِ لِاخْتِلَاطِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُشْرِكِينَ وَإِسْمَاعِهِمُ الْقُرْآنَ، إِذْ كَانَ هَذَا إِبَاحَةً لِلدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَلِرُؤْيَةِ الْمُشْرِكِينَ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَمُشَاهَدَتِهِمْ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ حَالِهِمْ، وَلِذَلِكَ كَثُرَ دُخُولُهُمْ فِي
الْإِسْلَامِ بَعْدَهَا، وَسَمَّى اللهُ هَذَا الصُّلْحَ فَتْحًا مُبِينًا. وَأَمَّا وُرُودُ الْحَدِيثِ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ فَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ مِنْ مَنْعِ الْعَبَثِ بِالْإِسْلَامِ كَانَ لَهُ سَبَبٌ سِيَاسِيٌّ اجْتِمَاعِيٌّ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ.
هَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ الْمُتَبَادِرُ مِنَ اللَّفْظِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتَارِيخِ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرُ الْفِتْنَةِ بِالشِّرْكِ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. أَقُولُ: عَلَيْهِ جُمْهُورُ مُؤَلِّفِي التَّفَاسِيرِ الْمَشْهُورَةِ مِنَ الْخَلَفِ، قَالُوا: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يَبْقَى شِرْكٌ وَتَزُولَ الْأَدْيَانُ الْبَاطِلَةُ فَلَا يَبْقَى إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدُ، وَسَيَتَحَقَّقُ مَضْمُونُهَا إِذَا ظَهَرَ الْمَهْدِيُّ، فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مُشْرِكٌ أَصْلًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَتَبَ هَذَا الْأَلُوسِيُّ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ أَصْلًا وَلَا فَرْعًا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ " أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (٤٩: ٩) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَلَّا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أُعَيَّرُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا أُقَاتِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِيهَا: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا (٤: ٩٣) إِلَى آخِرِهَا. قَالَ: فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا. فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ، إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإِمَّا يُوثِقُوهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ " إِلَخْ فَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يُفَسِّرُ الْفِتْنَةَ فِي آيَةِ الْأَنْفَالِ هَذِهِ بِمَا قُلْنَا إِنَّهُ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُمَا وَيَقُولُ:

صفحة رقم 553

إِنَّهَا قَدْ زَالَتْ بِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتِهِمْ، فَلَا يَقْدِرُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى اضْطِهَادِهِمْ وَتَعْذِيبِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الشِّرْكِ لَمَا قَالَ هَذَا، فَإِنَّ الشِّرْكَ لَمْ يَكُنْ قَدْ زَالَ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَنْ يَزُولَ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً (١١: ١١٨) الْآيَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَزَادَ عَلَيْهَا رِوَايَاتٍ عَنْهُ أُخْرَى بِمَعْنَاهَا مِنْهَا " أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَنَعُوا مَا تَرَى، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ قَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيَّ دَمَ أَخِي الْمُسْلِمِ قَالَا: أَوَلَمْ يَقُلِ اللهُ: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ قَالَ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللهِ " وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةٌ " وَذَهَبَ الشِّرْكُ " وَذَكَرَ
أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا أَوْرَدَ الْآيَةَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَقَالَا: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: بَلَغَنِي عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ حَتَّى لَا يُفْتَنَ مُسْلِمٌ عَنْ دِينِهِ.
فَإِنِ انْتَهَوْا أَيْ: فَإِنِ انْتَهَوْا عَنِ الْكُفْرِ وَعَنْ قِتَالِكُمْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ بِحَسَبِ عِلْمِهِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ (تَعْمَلُونَ) بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ بِالْخِطَابِ. وَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (٢: ١٩٣) وَإِنْ تَوَلَّوْا وَأَعْرَضُوا عَنْ سَمَاعِ تَبْلِيغِكُمْ، وَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وَفِتْنَتِهِمْ وَقِتَالِهِمْ لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ أَيْ: فَأَيْقِنُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ نَاصِرُكُمْ، وَمُتَوَلِّي أُمُورِكُمْ، فَلَا تُبَالُوا بِهِمْ وَلَا تَخَافُوا، فَهُوَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ هُوَ، فَلَا يُضَيِّعُ مَنْ تَوَلَّاهُ، وَلَا يُغْلَبُ مَنْ نَصَرَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ انْتِصَارَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقُرُونِ الْأُولَى كَانَ لِأَسْبَابٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، فَلَمَّا تَغَيَّرَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ خَانَهُمُ النَّصْرُ حَتَّى فَقَدُوا أَكْثَرَ مَمَالِكِهِمْ، وَإِنَّنَا لَنَرَى الْأُمَمَ يَنْتَصِرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالِاسْتِعْدَادِ الْمَادِّيِّ مِنْ سِلَاحٍ وَعَتَادٍ بِالنِّظَامِ الْحَرْبِيِّ الَّذِي جَهِلَهُ الْمُسْلِمُونَ بِغُرُورِهِمْ بِدِينِهِمْ، وَاتِّكَالِهِمْ عَلَى خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَقِرَاءَةِ الْأَحَادِيثِ وَالدَّعَوَاتِ، وَلِذَلِكَ تَرَكَهُ سَاسَةُ التُّرْكِ، وَأَسَّسُوا لِأَنْفُسِهِمْ حُكُومَةً مَدَنِيَّةً إِلْحَادِيَّةً تُنَاهِضُ الْإِسْلَامَ، وَيُوشِكُ أَنْ يَتْبَعَهُمْ سَاسَةُ الْمِصْرِيِّينَ وَالْأَفْغَانِ.
قُلْنَا: إِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ - وَهُوَ وَاقِعٌ لَا مَفْرُوضٌ - حُجَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا عَلَى الْإِسْلَامِ، فَالْإِسْلَامُ يَأْمُرُ بِإِعْدَادِ الْقُوَى الْمَادِّيَّةِ، وَيُضِيفُ إِلَيْهَا الْقُوَى الْمَعْنَوِيَّةَ، وَمِنْهَا بَلْ أَعْظَمُهَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَدُعَاؤُهُ، وَالِاتِّكَالُ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ حَتَّى الْمَادِّيِّينَ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَشْرَعْ لِلنَّاسِ الِاتِّكَالَ عَلَى خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، حَتَّى فِي أَيَّامِ الرَّسُولِ الْمُؤَيَّدِ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَلَمَّا غُلِبَ

صفحة رقم 554

الْمُسْلِمُونَ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ لِتَقْصِيرِهِمْ فِي الْأَسْبَابِ، وَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ (٣: ١٦٥) وَقَدْ وَفَّيْنَا هَذَا الْبَحْثَ حَقَّهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَسَنَعُودُ إِلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ
مِنْ قُوَّةٍ (٦٠) وَغَيْرِهَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
وَمَا أَضْعَفَ التُّرْكَ وَالْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ شُعُوبِ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا تَرْكُهُمْ لِهِدَايَةِ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ هَذَا وَغَيْرِهِ مِنْ إِقَامَةِ الْعَدْلِ وَالْفَضَائِلِ، وَسُنَنِ اللهِ فِي الِاجْتِمَاعِ الَّتِي انْتَصَرَ بِهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَاسْتِبْدَادُ حُكَّامِهِمْ فِيهِمْ، وَإِنْفَاقُ أَمْوَالِ الْأُمَّةِ وَالدَّوْلَةِ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِسْرَافِ فِي شَهَوَاتِهِمْ، وَقَدِ اتَّبَعَ الْإِفْرِنْجُ تَعَالِيمَ الْإِسْلَامِ فِي الِاسْتِعْدَادِ فِي الْأُمُورِ الرُّوحِيَّةِ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي الْعُمْرَانِ فَرَجَحَتْ بِهِمْ كِفَّةُ الْمِيزَانِ، وَسَيَتَّبِعُونَهَا فِي الْأُمُورِ الرُّوحِيَّةِ بَعْدَ أَنْ تُبَرِّحَ بِهِمُ التَّعَالِيمُ الْمَادِّيَّةُ وَالْبَلْشَفِيَّةُ، وَيَتَفَاقَمُ فَسَادُهَا فِي أُمَمِهِمْ، حَتَّى تُخَرَّبَ بُيُوتُهُمْ بِأَيْدِيهِمْ، مِنْ حَيْثُ فَقَدَ الْمُسْلِمُونَ الْجُغْرَافِيُّونَ النَّوْعَيْنِ كِلَيْهِمَا مِنْ تَعَالِيمِهِ، وَقَامَ الْجَاهِلُونَ مِنْهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ، بِمَا أَفْسَدُوا وَابْتَدَعُوا فِيهِ وَنَسَبُوهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ.
وَأَمَّا الْأُمُورُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ الَّتِي مَكَّنَتْ سَلَفَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ فَتْحِ بِلَادِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الشُّعُوبِ فَهِيَ أَكْبَرُ حُجَّةٍ لِلْإِسْلَامِ أَيْضًا، إِذْ لَيْسَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ إِلَّا مَا كَانَ أَصَابَ تِلْكَ الشُّعُوبَ مِنَ الشِّرْكِ وَفَسَادِ الْعَقَائِدِ وَالْآدَابِ، وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ وَالْعَادَاتِ، مِنْ فُشُوِّ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَسُلْطَانِ الْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ، الَّتِي جَاءَ الْإِسْلَامُ لِإِزَالَتِهَا، وَاسْتِبْدَالِ التَّوْحِيدِ وَالْفَضَائِلِ بِهَا، وَلِهَذَا وَحْدَهُ نَصَرَهُمُ اللهُ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهَا، إِذْ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتَّارِيخِ فِي أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا دُونَ تِلْكَ الشُّعُوبِ كُلِّهَا فِي الِاسْتِعْدَادِ الْحَرْبِيِّ الْمَادِّيِّ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَا يَمْتَازُونَ بِهِ إِلَّا إِصْلَاحُ الْإِسْلَامِ الْمَعْنَوِيِّ. وَلَمَّا أَضَاعَ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الْعَقَائِدَ وَالْفَضَائِلَ، وَاتَّبَعُوا سُنَنَ تِلْكَ الْأُمَمِ مِنَ الْبِدَعِ وَالرَّذَائِلِ - وَهُوَ مَا حَذَّرَهُمُ الْإِسْلَامُ مِنْهُ - ثُمَّ قَصَّرُوا فِي الِاسْتِعْدَادِ الْمَادِّيِّ لِلنَّصْرِ فِي الْحَرْبِ فَفَقَدُوا النَّوْعَيْنِ مِنْهُ، عَادَ الْغَلَبُ لِغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ.
فَنَسْأَلُهُ تَعَالَى هِدَايَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَكَشْفَ مَا هِيَ فِيهِ مِنْ غُمَّةٍ، لِتَسْتَحِقَّ نَصْرَهُ بِاتِّبَاعِ شَرْعِهِ، وَمُرَاعَاةِ سُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ، وَبِتَقْوَاهُ الْمُثْمِرَةِ لِلْفُرْقَانِ فِي الْعُلُومِ وَالْأَحْكَامِ وَالْأَعْمَالِ، فَيَعُودُ لَهَا مَا فَقَدَتْ مِنَ الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ اللهُمَّ آمِينَ.
تَمَّ تَفْسِيرُ الْجُزْءِ التَّاسِعِ كِتَابَةً وَتَحْرِيرًا بِفَضْلِ اللهِ، وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ (فِي أَوَاخِرِ شَهْرِ شَعْبَانَ سَنَةَ ١٣٤٦، وَنَسْأَلُهُ الْإِعَانَةَ وَالتَّوْفِيقَ لِإِتْمَامِ مَا بَعْدَهُ) وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ أَوَّلًا وَآخِرًا.

صفحة رقم 555

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية