ﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ

يقول الله جل وعلا : إذ يقولون المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ( ٤٩ ) [ الأنفال : الآية ٤٩ ].
قوله : " إذ " ظرف بدل من " إذ " قبله، أو منصوب ب ( اذكر ) مقدر. اذكر إذ يقول المنافقون.
المنافقون : جمع التصحيح للمنافق، وهو المتصف بالنفاق، والنفاق : هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. والمنافق هو المعروف في اصطلاح الفقهاء بالزنديق، فالمنافقون الذين يلقون المسلمين ويقولون : إنهم مؤمنون. وهم في باطن الأمر بخلاف ذلك.
وقوله : والذين في قلوبهم مرض اختلف العلماء في المراد بالذين في قلوبهم مرض على أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضا.
قال بعض العلماء : الذين في قلوبهم مرض هم نفس المنافقين، وإنما كان العطف نظرا إلى مغايرة الصفات، كأنه يقول : الجامعون بين النفاق ومرض القلوب قالوا كذا وكذا، ومعلوم في اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن عطف الشيء على نفسه مذكورا بصفات مختلفة نظرا إلى أن تغاير الصفات كتغاير الذوات أسلوب عربي معروف في كلام العرب، وهو موجود بكثرة في القرآن، كقوله في أول سورة البقرة : ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ( ٢ ) الذين يؤمنون بالغيب ثم قال : والذين يؤمنون بما أنزل إليك [ البقرة : الآيات ٢ - ٤ ] والمعطوفون هم الأولون، إلا أن الصفات اختلفت فجاء العطف نظر لتغاير الصفات. ونظيره في القرآن أيضا قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى ( ١ ) الذي خلق فسوى ( ٢ ) والذي قدر فهدى ( ٣ ) والذي أخرج المرعى ( ٤ ) [ الأعلى : ١ - ٤ ] فالمتعاطفات شيء واحد عطف بعضها على بعض نظرا لتغاير الصفات، وهذا الأسلوب معروف في كلام العرب، ومن شواهده العربية قول الشاعر :

إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
فهو إنسان واحد، وذكرت العطوف نظرا لتغاير الصفات. ومما يؤيد هذا القول : أن الله وصف المنافقين بأن في قلوبهم مرضا في قوله : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا [ البقرة : الآية ١٠ ] وهي في المنافقين بلا نزاع.
ومرض القلوب جاء في القرآن على معنيين :
أحدهما : مرض القلوب بمعنى ما يداخلها من الشرك والشك والنفاق، كقوله : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرض [ البقرة : الآية ١٠ ].
المعنى الثاني : إطلاق مرض القلب على القلب الذي يهوى الفجور والزنى ونحو ذلك، ومنه بهذا المعنى قوله في سورة الأحزاب مخاطبا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض [ الأحزاب : الآية ٣٢ ] أي : يطمع في نيل الريبة منكن الذي في قلبه مرض. ميل إلى الفجور وما لا ينبغي، والعرب تعرف هذا، الذي ينطوي قلبه على أمور خسيسة، تقول العرب : في قلبه مرض، ومن هذا المعنى قول الأعشى – ميمون بن قيس – وهو عربي فصيح يمدح رجلا :
حافظ للفرج راض بالتقى ليس ممن قلبه فيه مرض
وقال بعض العلماء : الذين في قلوبهم مرض المشركون، إذ لا مرض في القلوب أكبر من انطوائها على الشرك بالله.
وذهبت جماعة من العلماء إلى أن الذين في قلوبهم مرض في هذه الآية من سورة الأنفال خص بها أناس معروفون هم الذين بسط الله قصتهم في سورة النساء، وهم قوم تكلموا بكلمة الإسلام فقالوا : لا إله إلا الله محمد رسول الله في مكة، ثم إنهم أبوا أن يهاجروا، وفي قلوبهم إسلام وإيمان ضعيف في قلوبهم على حرف هكذا وهكذا. وإذا قيل لهم : لم لا تهاجرون وأنتم مسلمون ؟ قالوا : نحن مستضعفون في الأرض. وهم الذين أنزل الله فيهم : إن الذين توفهم الملئكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله وسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأوهم جهنم الآية [ النساء : ٩٧ ]. قالوا : جاؤوا مع كفار قريش فلما رأوا قلة المسلمين – وكان الله قلل المسلمين في أعين الكفار، والكفار في أعين المسلمين كما أوضحنا قريبا في قوله : وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا [ الأنفال : الآية ٤٥ ] لما رأوا قلتهم وقللهم الله في أعينهم جدا – قالوا : هؤلاء قوم مغرورون، غرهم دينهم ! ! وزعموا أنهم على دين يؤيد القليل المتمسك به على الكثير فاغتروا من هنا، وهؤلاء سيغلبون ويقتلون قطعا ! ! وهؤلاء المستضعفون الذين نزل فيهم : إن الذين توفهم الملئكة [ النساء : الآية ٩٧ ] نفر من قريش معروفون، آمنوا بالله إيمانا ضعيفا ولم يهاجروا، وجاؤوا مع الكفار يوم بدر، قال بعض العلماء : وهم الذين قالوا مع المنافقين : غر هؤلاء دينهم [ الأنفال : الآية ٤٩ ] وهم معروفون، وهم : العاص بن منبه بن الحجاج السهمي، وعلي بن أمية بن خلف الجمحي، وأبو قيس بن الفاكه ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وابن عمه أبو قيس بن الوليد ابن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، هؤلاء هم النفر المعروفون الذين قالوا : إنا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها [ النساء : الآية ٩٧ ] وعلى كل حال فلما التقى المسلمون والمشركون يوم بدر كان الذين في قلوبهم مرض من المنافقين، أو المشركين، أو هؤلاء النفر القليلين الذين آمنوا إيمانا ضعيفا في مكة وخرجوا مع الكفار يوم بدر وقتلوا كفارا – والعياذ بالله – قالوا : غر هؤلاء دينهم الإشارة في قوله : هؤلاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه و دينهم فاعل غر يعني : غرهم دينهم حيث اغتروا به وظنوا أن المتمسك بهذا الدين ولو كان قليلا ضعيفا يغلب القوي العظيم فاغتروا، وسيكون هذا الغرور سببا لهلاكهم ! ! والعرب تقول : " غره يغره غرورا " على غير قياس. والفاعل : غار، والمفعول : مغرور، إذا خدعه. وهم نسبوا هنا الغرور إلى الدين زاعمين أنهم انخدعوا في دينهم حيث يظنون أن القليل المتمسك به يغلب القوي غير المتمسك به، وهذا المعنى معروف في كلام العرب، تقول : غره يغره. إذا خدعه، ومنه سمي الشيطان غرورا لكثرة غروره للآدميين بتزيينه ووساوسه، كما قال تعالى : ولا يغرنكم بالله الغرور [ فاطر : الآية ٥ ] ومن هذا المعنى قول ابن أبي ربيعة أو غيره :
إن امرأ غره منكن واحدة بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
ثم إن الله أجاب ربنا ( جل وعلا ) عما قاله المنافقون والذين في قلوبهم مرض قال لهم الله : لا. كأن المعنى : لا، لم يغر هؤلاء دينهم، وهم على بصيرة من أمرهم وعلى حق، ولكنهم توكلوا على الله، ومن توكل على الله توكل على قوي الجناب عزيز منيع لا يضام من توكل عليه، ولذا قال : ومن يتوكل على الله التوكيل معناه : الثقة الكاملة، وتفويض الأمور إليه ( جل وعلا ). يتوكل على الله يثق بالله ثقة كاملة ويسلم إليه أموره، ويفوض له تفويضا تاما توكلا عليه. فإن الله جل وعلا ( عزيز حكيم ) الضمير الرابط محذوف دل المقام عليه. ومن يتوكل على الله فإنه يعزه بعزته وينصره، لأن الله عزيز حكيم.
والعزيز : هو الغالب الذي يقهر غيره ويغلبه فالله ( جل وعلا ) عزيز غالب على أمره. والعزة في لغة العرب : الغلبة ولله العزة ولرسوله [ المنافقون : الآية ٨ ] أي : ولله الغلبة ولرسوله. وعزني في الخطاب [ ص : الآية ٢٣ ] يعني : غلبني في المخاصمة. والعرب تقول : " من عز بز " يعنون : من غلب استلب لأنه كان الغالب ينهب مال المغلوب، ويقولون : " من عز بز "، وقد قالت الخنساء بنت عمرو الشريد السليمة الشاعرة :
كأن لم يكونوا حمى يختشى إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
تعني : من غلب استلب. والحكيم : هو ذو الحكمة البالغة، الذي لا يضع الأمر إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه. فاقتضت عزته وقهره وسلطانه ألا يضام وليه المتوكل عليه المستند إليه، وألا يقهر. واقتضت حكمته البالغة ألا يجعل وليه كعدوه، وألا يسوي بينهما بل ينصر وليه على عدوه. والحكمة لا تتم إلا بالعلم، لأن تمام الحكمة بتمام العلم، ولذا لا تتم الحكمة تماما كليا إلا لله وحده ( جل وعلا )، لأنه هو العالم بخفايا الأمور وخباياها وما تؤول إليه، فالله وحده هو الذي لا يجري عليه : لو فعلت كذا لكان خيرا. أما غيره فإنه قد يفعل الأمر يظنه صوابا، وأنه في غاية الحكمة، ثم يتبين له بعد ذلك أن غيره أصوب منه، فيقول : لو فعلت كذا لكان كذا ! ! وليتني لم أفعل ! ! وفي الحديث النهي عن ( لو ) لأنها تفتح باب الشيطان. لو فعلت كذا لكان كذا.
ليت شعري واين مني ( ليت ) إن ( ليتا ) وإن ( لوا ) عناء
العناء : التعب وكثرة : ليتني فعلت، وليتني لم أفعل، ولو فعلت كذا لكان كذا. كل هذا يقع من عدم العلم بعواقب الأمور، والله ( جل وعلا ) وحده لا يجري عليه : لو فعلت كذا لكان أصوب. لعلمه بما تنكشف عنه الغيوب، وما تؤول إليه الأمور، فالحكمة الكاملة له، أما غيره ( جل وعلا ) فقد يفعل الأمر يظنه حكمة وصوابا ثم ينكشف الغيب عن خلاف ذلك كما قال :
ألام على ( لو ) ولو كنت عالما بأذناب ( لو ) لم تفتني أوائله
وهذا سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم علمه الله العلوم العظيمة كان يقول في آخر عمره في حجة الوداع : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة " فكيف بغيره صلى الله عليه وسلم ؟ ! وهذا معنى قوله : ومن يتوكل على الله فإن الله ( جل وعلا ) عزيز حكيم [ الأنفال : الآية ٤٩ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير