(إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ... (٤٩)
عندما انتصر المسلمون في غزوة بدر وصارت لهم قوة ترهب أعداء الله وجد من ينافق بأن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، لقد كان سكان المدينة منهم الذين آمنوا بالله ورسوله وأيدوه، ومنهم اليهود، ومنهم الوثنيون فلما صارت للإسلام شوكة وعزة وقوة - ظهر النفاق، وأولئك كانوا مع المؤمنين في المظهر، ومع أعداء الله - تعالى - في حقيقة نفوسهم، وكانوا يبثون الخبال في المومنين، فقال تعالى في أولئك المنافقين: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِين فِي قُلُوبِهِم مَّرَض) هما وصفان لطائفة واحدة، وهم الذين وصفوا بالنفاق، فلهم وصفان أحدهما النفاق، والثاني أن في قلوبهم مرضا، وقد وصفهم الله تعالى بذلك، فقال: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مرضًا...)، والعطف عطف أوصاف، لَا عطف موصوفين لقولهم:
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم أو نقول: إن هناك موصودين، وهم المنافقون الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، والطائفة الثانية هم الذين في إيمانهم ضعف، فهم آمنوا على حرف ولما يدخل الإيمان في قلوبهم.
وقد بدا لي نظر لم أطلع عليه، ولكن له شواهد، وذلك أن الذين في قلوبهم مرض اليهود، ذلك أن في قلوبهم مرض الحسد، وهو أشد أدواء القلوب، وهو في اليهود دائما، فالمراد بالمنافقين الذين يقولون؛ إنهم مؤمنون ويبطنون الكفر، والذين في قلوبهم مرض اليهود.
والوقائع التاريخية تؤيد ذلك أن المنافقين كانوا يقولون غرَّ هؤلاء دينهم، أي أوقعهم في غرور، فظنوا أنفسهم الأقوياء، وليسوا من القوة في شيء وقال اليهود
من بني قينقاع: (لقد غر هؤلاء دينهم، وغرهم انتصارهم، لئن لاقونا فسيجدننا الناس) وكان منهم اعتداء على المسلمين حتى أجلاهم النبي - ﷺ -، هذا ما سبق إلى خاطرنا، وهو ينطبق على المنافقين واليهود، والشواهد التاريخية تؤيده، والله أعلم.
ولقد قال تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوكل هو التفويض إلى الله تعالى بعد أخذ الأسباب وتهيئة ما يكون سببا للنصر، ثم يتجه إلى الله تعالى معتمداً عليه مفوضا الأمور إليه، فإن الآسباب لَا تعمل وحدها بل تعمل بإرادة الله، وهذا فرق ما بين التوكل والتواكل، إذ أن المتواكل لَا يتخذ الأسباب.
وقوِله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ليست جواب الشرط وهو قوله تعالى: (وَمَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ) بل هي سب جواب الشرط قام السبب مقام المسبب، والمعنى ومن يتوكل على الله حق توكله، فإن الله ناصره، وهو الغالب، لأن الله معه، وهو عزيز وحكيم ينصر من ينصره وهو على كل شيء قدير.
هذه نتائج النفاق وضعف الإيمان ومرض الحسد في الدنيا، أما في الآخرة فعذاب أليم، يبتدئ من وقت قبض أرواحهم؛ ولذا قال تعالى:
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة