ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

وفي هذا الحكم تخفيف عن الحكم السابق، الذي جاء فيه أن عشرين صابرين يغلبوا مائتين، ونعلم أن هناك شروطا للقتال، أولها أن يكون المقاتل قوي البدن وقوي الإيمان وعلى دراية بحيل الحرب وفنونه بحيث يستطيع أن يناور ويغير مكانه في المعركة ويخدع عدوه؛ لأن نتيجة المعركة لا تحسمها معركة واحدة، بل لا بد من كرّ وفرّ وإقبال وإدبار وخداع للقتال ومناورات مثلما فعل خالد بن الوليد في كثير من المعارك.
إذن فلكي تضمن أن عشرين صابرين يغلبون مائتين لا بد أن يتحقق في هؤلاء جميعاً قوة وصبر وجلد، ولكن قد لا تكون قوة البدن متوافرة والجلد ضعيفاً. وقد تأتي للإنسان فترات ضعف، وتأتيه أيضاً فترات قوة. ومن رحمته سبحانه وتعالى بالمؤمنين أنه خفف عنهم؛ لأنه يعلم أن هناك فترات

صفحة رقم 4798

ضعف تصيب الإنسان؛ لذلك جعل النسبة واحداً إلى اثنين. وقال سبحانه وتعالى:
الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يغلبوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين [الأنفال: ٦٦].
وهل معنى ذلك أن الآية الأولى قد نسخت؟ نقول: لا، ولكن الآية الثانية أعطت حالات الأغيار والضعف البشري وحسب لها حساباً. ولذلك نجد الحكم الأول قائما وهو الحد الأعلى، كما أن الحكم الثاني - أيضاً - قائم وهو الحد الأدنى، فإذا لقي مؤمن ثلاثة كفار وفر منهم لا يعدُّ فارّاً يوم الزحف، ولا يؤاخذه الله على ذلك. لكن إن واجهه اثنان فانسحب وتركهما يعتبر فارّاً؛ لأن الحد الأدنى هو واحد لاثنين. وتكون هذه أقل نسبة موجودة. والنسب تتفاوت بين واحد إلى اثنين حتى واحد إلى عشرة، حسب قوة الصبر وقوة الجسم وعدم التحيز إلى فئة. وبطبيعة الحال نعلم أن القوي قد يصير ضعيفاً. وكذلك فإن بعضاً من النفوس قد تضيق بالصبر، وأيضاً حين زاد عدد المؤمنين، فمن المحتمل أن يتكل بعضهم على بعض. ولكنهم عندما كانوا قلة، كان كل واحد منهم يبذل أقصى قوته في القتال للدفاع عن عقيدته.
والمشرع لا يشرع للمؤمنين بما يحملهم ما لا يطيقون، ولكنه يشرع لهم ليخفف عنهم، والمثال على ذلك نجد أن الله قد أباح الإفطار في رمضان إذا كان الإنسان مريضاً أو على سفر، وكذلك شرع الحق تبارك وتعالى قصر الصلاة أثناء السفر، إذن فالمشرع قد عرف مواطن الضعف في النفس البشرية التي تجعلها لا تقوى على التكليف. وفي هذه الحالة يقوم المشرع ذاته بالتخفيف، ولا يتركنا نحن لنخفف كما نشاء.

صفحة رقم 4799

وبعض الناس يقول: إن الحياة العصرية لم تعد تتحمل تنفيذ هذه التشريعات، وأنه ليس في وسعنا في هذا العصر أن نلتزم، وأن ربنا سبحانه وتعالى يقول:
لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا.. [البقرة: ٢٨٦].
ونقول لكل من يقول ذلك: لقد فهمت وسع النفس خطأ، وكان عليك أن تقيس وسعك بالتكليف، ولا تقيس التكلف بوسعك. والسؤال: هل كلَّف الله سبحانه وتعالى أو لك يكلف؟ فإن كان قد كلف فذلك تأكيد على أنه في استطاعتك، ولا تقل: أنا سأقيس استطاعتي. ثم ابحث هل التكليف في نطاق هذه الاستطاعة أو لا؟ وعليك أن تبحث أولاً: هل كلفت بهذا الأمر أو لم تكلف؟ فإذا كنت قد كلفت به يكون في استطاعتك أداء ما كلفت به؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يكلف نفساً إلا ما آتاها؛ لا تفرض أنت استطاعة ثم تُخْضع التكليف لها، ولكن اخضع استطاعتك للتكليف.
وقول الحق سبحانه وتعالى:
الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً.. [الأنفال: ٦٦].
و «الآن» تعني الزمن، وقد خفف الله أي هو سبحانه وتعالى الذي رفع المشقة، وأنت تقول هذا الشيء خفيف وهذا الشيء ثقيل. لكن أتعرف بأي شيء حكمت بمقدار المشقة التي تتحملها في أدائه؟. فإن رفعت قلماً تقول: هذا خفيف، وإذا رفعت قطعة حجر كبيرة تقول: هذه ثقيلة، بأي شيء حكمت؟ هل بمجرد النظر؟ لا. فأنت لا تستطيع أن تفرق بالنظر بين حقيبتين متماثلتين لتقول هذه ثقيلة وهذه خفيفة؛ لأن إحداهما قد تكون مملوءة بالحديد، والثانية فيها أشياء خفيفة؛ ولا تستطيع أن تحكم باستخدام حاسة السمع ولا

صفحة رقم 4800

حاسة اللمس؛ لأنك باللمس لا تستطيع أن تحكم على حقيبة بأنها خفيفة والأخرى ثقيلة، ولا بحاسة الشم أيضاً.
إذن فكل وسائل الإدراك عاجزة عن أن تدرك خفة الشيء أو ثقله، فبأي شيء ندرك؟. ونقول: قد اهتدى علماء وظائف الأعضاء أخيراً إلى أن الثقل والخفة لهما حاسة هي حاسة العضل، فحين يجهد ثقل ما عضلات الإنسان ويحملك مشقة أنه ثقيل، فهو يختلف عن تقل لا يؤثر على العضل ولا تحس فيه بأي إجهاد؛ لأن هذا الثقل يكون خفيفاً.
إذن فهناك وسائل للإدراك لم نكن نعرفها في الماضي واكتشفها العلم الحديث. أنت مثلاً حين تمسك قماشاً بين أصابعك تقول: هذا قماش كثيف أو سميك وهذا خفيف أو رقيق، ما هي الحاسة التي عرفت بها ذلك؟ نقول: إنها حاسة «البين» فقد ابتعدت أصابعك قليلاً في القماش الثقيل، وقربت من بعضها في القماش الرقيق، وقد يصل الفرق إلى ملليمتر واحد أو أقل لا تدركه بالنظر؛ ولكن تدركه بحاسة البين.
وإياكم أن تحسبوها رياضيا وعدديا وتقولوا إن النصر بالعدد؛ لأنكم بذلك تعزلون أنفسكم عن الله، أو إنَّما تفتنون بالأسباب، فكل نصر هو بإذن الله ومن عند الله تبارك وتعالى.
ولماذا لم يقل الحق سبحانه: علم فيكم ضعفاً وخفف عنكم؟ لأنه سبحانه وتعالى أراد أن يكون الترخيص في الحكم أثبت من الحكم، على أن هذا التخفيف قد يعود إلى عدة أسباب؛ منها أن حكم الله أزلي.
ولذلك وضع الله سبحانه وتعالى حدا أعلى يتناسب مع قوة الإيمان في المسلمين الأوائل، وحدا أدنى يتناسب مع ضعف الإيمان الذي سيأتي مع مرور الزمن، أو يتناسب مع العزوف عن الدنيا بالنسبة للمسلمين الأوائل، وعلى الإقبال على الدنيا بالنسبة لأولئك الذين سيأتون من بعدهم، أو مع قلة الفتن التي كانت في عصر النبوة وكثرة الفتن في عصر كالذي نعيش فيه.

صفحة رقم 4801

ويذيل الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله:
والله مَعَ الصابرين [الأنفال: ٦٦].
وأنت قد تقول: فلان سافر إلى الخليج ومعه عشرون جنيهاً. فإذا اندهش من يسمعك وتساءل: «ماذا يفعل بهذا المبلغ الصغير» ؟ تقول له: إن معه فلاناً «المليونير» فيطمئن السائل. فإن قلت: إن فلاناً وهو رجل كبير السن ذهب إلى الجبل ليحضر صخرة.. نتساءل: كيف؟. يقال لك: إن معه فلاناً القوي فتطمئن.
إذن فمعية الضعيف للقوي أو الأدنى للأعلى تصنع نوعاً من الاستطراق، وتعطي من القوي للضعيف، ومن الغني للفقير، ومن العالم للجاهل، إذن فالمعية تعطي من قوة التفوق قدرة للضعيف.
وهنا يوضح المولى سبحانه وتعالى للمؤمين: إن قوتكم وقدرتكم على الصبر محدودة لأنكم بشر، فلا تعزلوا هذه القوة المحدودة عن قدرة الله غير المحدودة، واصبروا لأن الله مع الصابرين. ولأنه سبحانه معكم فهو يعطيكم من قوته فلا تستطيع أي قوة أن تتغلب عليكم وتقهركم.
ولقد تعرضنا لهذا وقت أن تكلمنا عن الغار، حين دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وسيدنا أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه الغار في طريق الهجرة إلى المدينة وجاء الكفار ووقفوا على باب الغار فماذا قال أبو بكر لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ قال: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. وهذا كلام منطقي مع الأسباب. فماذا قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ له ليطمئنه؟. قال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ولكن ما وجه الحجة في ذلك؟. لقد قال: ما دام الله ثالثهما، والله لا تدركه الأبصار، فالذين في معيته لا تدركهم الأبصار.

صفحة رقم 4802

وفي هذه الآية مثل سابقتها؛ يتحدث المولى سبحانه وتعالى عن المعارك والنصر.
ومن الطبيعي أن يكون من معايير النصر كسب الغنائم. والغنائم التي تمت في بدر قسمان؛ منقولات، وقد نزل حكم الله فيها بأن لله ولرسوله الخمس، بقي جزء آخر من الغنائم لم ينزل حكم الله فيه وهم الأسرى، ففي معركة بدر قتل من قريش سبعون وأسر سبعون، فاستشار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الناس. فقال: ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ إنَّ الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس.
فقال أبو بكر: يا رسول الله أهلك وقومك، قد أعطاك الله الظفر ونصرك عليهم، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان استبقهم، وإني أرى أن تأخذ الفداء منهم، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم بك، فيكونوا لك عضدا. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ما تقول يابن الخطاب؟
قال: يا رسول الله قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - حتى يضرب عنقه، حتى ليعلم الله تعالى أنه ليست في قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديد قريش وأئمتهم وقادتهم فاضرب أعناقهم، ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن راعون مؤلفون.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنظر وادياً كثير الحطب فأضرمه عليهم ناراً. فقال العباس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك. قال أبو أيوب: فقلنا - يعني الأنصار - إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا.

صفحة رقم 4803

فدخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ البيت، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج فقال: إن الله تعالى ليلين قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله تعالى ليشد قلوب أقوام فيه حتى تكون أشد من الحجارة. مثلك يا أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال: فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم إذ قال: إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم [المائدة: ١١٨]، ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله تعالى، ومثلك في الأنبياء مثل نوح إذ قال: رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً [نوح: ٢٦] ومثلك في الأنبياء مثل موسى، إذ قال: رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم [يونس: ٨٨] لو اتفقتما ما خالفتكما، أنتم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق، ومن بين الأسرى كان عدد من أغنياء قريش.
وسبق له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن استشار الصحابة في معركة بدر. وحدث أن اختار رسول الله صلى الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أماكن جيش المسلمين، فتقدم أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر بن الجموح إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال له يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟.
فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فأشار الحباب بن المنذر بتغيير موقع المسلمين ليكون الماء وراءهم فيشربوا هم ولا يشرب الكفار.

صفحة رقم 4804

إذن فلو أنه منزل أنزله الله لرسوله لما جرؤ أحد على الكلام؛ لأن لله علماً آخر لا نعلمه، فنحن ببشريتنا لنا علم محدود؛ والله له علم بلا نهاية. وكذلك في مسألة الأسرى؛ لم يكن فيها حكم قد نزل من الله. ولذلك استشار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صحابته، وكان أمامه رأي فيه شدة لعمر بن الخطاب ومعه عبد الله بن رواحة، ورأي لين يخالف الرأي السابق وكان لسيدنا أبي بكر الصديق.
وكان قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يوجز ما قاله الفريقان؛ فريق اللين بقيادة أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وفريق الشدة بقيادة عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. ثم مال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى رأي الفداء. وجعل فدية الواحد من ألف درهم إلى أربعة آلاف درهم، وكان في الأسر العباس وهو عم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فسمع النبي أنينه من قيده فقال: فكوا عنه قيده. وفسر بعض الناس هذا على أنه ميل من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى عمه، ولكنه كان ردا على جميل فعله العباس في بيعة العقبة؛ حينما حضر وفد من أهل المدينة إلى مكة ليبايعوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الإسلام.
وقد حضر العباس هذه البيعة، وكان أول من تكلم فيه رغم أنه كان ما زال على دين قومه. فقال: يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج.. خزرجها وأوسها. قال العباس: إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة من بلده، أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم؛ فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده

صفحة رقم 4805

إذن فالعباس قد وقف موقفاً لا بد أن يجازى بمثله، ورغم أنه كان كافراً وقتئذ، إلا أن الكفر لم يمنع عاطفة العباس أن ينجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وكذلك رد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الموقف بمثله؛ لأن المبدأ الإسلامي واضح في قول الحق: وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ [النساء: ٨٦].
فلا يؤخذ هذا التصرف - إذن - على أنه مجاملة من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعمه، ولكنها حق على رسول الله من موقف العباس في بيعة العقبة.
وقال له الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: يا عباس افد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عقبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر؛ فإنك ذو مال. فقال: يا رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني. فقال رسول الله: الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به. أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك. وكان المسلمون قد أخذوا من العباس عشرين أوقية من ذهب كغنيمة، فقال العباس: يا رسول الله احسبها لي في فدائي، فقال الرسول: لا، ذلك شيء أعطاناه الله عَزَّ وَجَلَّ منك. قال العباس: فإنه ليس لي مال. لقد جعلتني يا محمد أتكفف قريشاً، فضحك النبي وقال: فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا؛ فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا. قال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله. ففدى العباس نفسه بأربعة آلاف درهم، وفدى كلا من ابني أخيه وحليفه بألف لكل منهم.
إذن ففي التقييم المادي دفع العباس أربعة أمثال ما دفعه الأسير العادي كفدية.

صفحة رقم 4806

ثم ماذا فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع زوج ابنته زينب وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع ختن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وزوج ابنته زينب، أسرة خراش بن الصمة، فلما بعثت قريش في فداء الأسرى بعثت زينب بنت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في فداء أبي العاص وأخيه عمرو ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوا وردوا عليها الذي لها.
وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب إليه، وكان فيما شرط عليه في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيعلم. ما هو، إلا أنه لما خرج بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، مكانه، فقال: كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر أو شيعة، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تجهز.
ومن بعد ذلك نزل قول الحق تبارك وتعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض...

صفحة رقم 4807

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية