ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

قوله : وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ الظرف منصوب بفعل مقدّر، أي واذكروا وقت وعد الله إياكم إحدى الطائفتين. وأمرهم بتذكير الوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث بقصد المبالغة. والطائفتان : هما العير والنفير. و إحدى هو ثاني مفعولي يعد ، و أَنَّهَا لَكُمْ بدل منه بدل اشتمال. ومعناه : أنها مسخرة لكم، وأنكم تغلبونها وتغنمون منها وتصنعون بها ما شئتم من قتل وأسر وغنيمة، لا يطيقون لكم دفعاً، ولا يملكون لأنفسهم منكم ضراً ولا نفعاً. وفي هذه الجملة تذكير لهم بنعمة من النعم التي أنعم الله بها عليهم.
قوله : وَتَوَدُّونَ معطوف على يَعِدُكُمُ من جملة الحوادث التي أمروا بذكر وقتها. أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة من الطائفتين، وهي طائفة العير تَكُونُ لَكُمْ دون ذات الشوكة، وهي طائفة النفير. قال أبو عبيدة : أي غير ذات الحدّ. والشوكة : السلاح، والشوكة : النبت الذي له حدّ. ومنه رجل شائك السلاح، أي حديد السلاح. ثم يقلب فيقال : شاكي السلاح. فالشوكة مستعارة من واحدة الشوك. والمعنى : وتودّون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح، وهي طائفة الغير، لأنها غنيمة صافية عن كدر القتال، إذ لم يكن معها من يقوم بالدفع عنها. قوله : وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بكلماته معطوف على تودّون وهو من جملة ما أمروا بذكر وقته، أي ويريد الله غير ما تريدون، وهو أن يحقّ الحقّ بإظهاره، لما قضاه من ظفركم بذات الشوكة، وقتلكم لصناديدهم، وأسر كثير منهم، واغتنام ما غنمتم من أموالهم التي أجلبوا بها عليكم، وراموا دفعكم بها. والمراد بالكلمات : الآيات التي أنزلها في محاربة ذات الشوكة، ووعدكم منه بالظفر بها. وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين الدابر : الآخر، وقطعه عبارة عن الاستئصال. والمعنى : ويستأصلهم جميعاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت فقال :«ما ترون فيها لعلّ الله يغنمناها ويسلمنا»، فخرجنا فلما سرنا يوماً أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعادّ، ففعلنا، فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر، فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدّتنا، فسرّ بذلك وحمد الله وقال :«عدّة أصحاب طالوت»، فقال :«ما ترون في قتال القوم، فإنهم قد أخبروا بمخرجكم»، فقلنا : يا رسول الله، لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم، إنما خرجنا للعير، ثم قال :«ما ترون في قتال القوم ؟» فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد : لا تقولوا كما قال قوم موسى لموسى اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون فأنزل الله : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ إلى قوله : وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ . فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين، إما القوم وإما العير، طابت أنفسنا، ثم إنا اجتمعنا مع القوم فصففنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«اللهم إني أنشدك وعدك»، فقال ابن رواحة : يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من أن يشير عليه، إن الله أجلّ وأعظم من أن تنشده وعده، فقال :«يا ابن رواحة لأنشدنّ الله وعده، فإن الله لا يخلف الميعاد»، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه القوم فانهزموا، فأنزل الله وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى فقتلنا وأسرنا، فقال عمر : يا رسول الله ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن داعون مؤلفون، فقلنا : يا معشر الأنصار إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ فقال :«ادعوا لي عمر»، فدعي له فقال :«إن الله قد أنزل عليّ» مَا كَانَ لِنَبِيٍ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى الآية وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن مردويه عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جدّه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال :" كيف ترون ؟ " فقال أبو بكر : يا رسول الله، بلغنا أنهم كذا وكذا، ثم خطب الناس فقال :«كيف ترون ؟» فقال عمر مثل قول أبي بكر. ثم خطب الناس فقال :«كيف ترون ؟» فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله، إيانا تريد، فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن، لنسيرن معك، ولا نكونن كالذين قالوا لموسى : اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق إلى قوله : وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الغنيمة مع أبي سفيان، فأحدث الله إليه القتال.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق قال : كذلك يجادلونك في خروج القتال. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله : كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق قال : خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ قال : لطلب المشركين. يجادلونك فِي الحق بَعْدَمَا مَا تَبَيَّنَ أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله : وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ قال : هي عير أبي سفيان. ودّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن العير كانت لهم، وأن القتال صرف عنهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة : وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين أي شأفتهم. ووقعة بدر قد اشتملت عليها كتب الحديث، والسير، والتاريخ مستوفاة، فلا نطيل بذكرها.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية