٦٤٩- مفهومه : لا يلي أحد الفريقين على الآخر، وقاله الأئمة. ( الذخيرة : ٤/٢٤٢ )
٦٥٠- قوله تعالى : إلا تفعلوه : إذا قيل : " إلا " في الآية استثنت ماذا ؟ وما المستثنى ؟ وما المستثنى منه ؟
قلنا : ليس هاهنا استثناء، بل " إلا " هاهنا مدغمة. والفرق بينها وبين " إلا " في الاستثناء من عشرة أوجه :
أحدهما : أن " إلا " هاهنا مركبة من حرفين، تقديره : " إن لا تفعلوه ". والنون والتنوين يدغمان في اللام، لأنها تدغم في حروف " يرملون "، فلما أدغمت بنيت " إلا " على صورة حرف الاستثناء، و " إلا " تلك حرف واحد لا تركيب فيه.
وثانيها : أن هذه تقضي إبطال جملة ما تقدم قبلها، وتقرر نقيضه على صورة التعليق، وتلك تقتضي إبطال بعض ما تقدم فقط، أو إثبات بعضه إن كان الاستثناء من نفي.
وثالثها : هذه لا تقع بعدها إلا الجملة الفعلية والاسمية، لأنه جواب شرط، وجواب الشرط لابد أن يكون جملة، وتلك يقع بعدها المفرد بدلا منصوبا أو مرفوعا أو مجرورا، أو غير بدل منصوبا مطلقا. وهذه يجوز أن تقترن بها الواو لأنها ابتداء جملة، والواو يجوز اقترانها بأوائل الجمل، وتلك يمتنع معها الواو، فلا تقول : " قام القوم وإلا زيدا " لأن الواو للتشريك والجمع، و " إلا " للإخراج، فهما متناقضتان، فلا يجمع بينهما.
ورابعها : هذه تتعين للاستقبال، لأن المعلق والمعلق عليه لابد وأن يكونا مستقبلين، فإن معنى ذلك : ربط أمر متوقع بأمر مستقبل، وتوقيف دخوله في الوجود على دخوله، والماضي الحال لا معنى لتوقيفهما على غيرهما، لتعيينهما للوقوع. والإخراج يحتمل الماضي والحال والاستقبال، لصحة الاستثناء من جميع ذلك.
وخامسها : هذه معها كلام مضمر، وهو تقدير عدم ما قبلها معلقا عليه غيره، وتلك مستقلة لا إضمار معها إلا عامل، على الخلاف في العامل بعد إلا ما هو ؟
وسادسها : هذه لا توجب تعدية الفعل الذي قبلها، بل تستأنف بعدها جملة أخرى، وتلك تعدي الفعل الذي قبلها، فيعمل فيما بعدها كما يفعله حرف الجر في التعدية.
وسابعها : هذه داخلة على ما هو مقصود، لأن التعاليق اللغوية أسباب يلزم من وجودها الوجود ومن عدمها العدم، والأسباب شأنها الاشتمال على الحكم والمصالح، فهي مقصودة، وتلك لا تدخل على ما هو مقصود بل تخرج ما هو ليس بمقصود عما هو مقصود، لأن هذا هو شأن الاستثناء أن يخرج ما عساه سها عنه المتكلم فأدرجه، ولذلك منعه بعض العلماء إلا فيما هو أقل، لأنه هو الذي يعذر في الغفلة عنه عادة، أما أكثر الكلام فلا.
وثامنها : أن هذه تتعين لنقيض ما تقدم، فإنك أدخلت " لا " لنفي ما تقدم وتعليق نقيضه، فكانت في الاستثناء المنقطع، فلم تتعين لنقيض كما في قوله تعالى : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ١، فما بعد " إلا " ليس نقيض : لا يذوقون فيها الموت : " يذوقون، وهو تعالى لم يحكم به، بل بالموتة الأولى في الدنيا ".
وتاسعها : أن هذه شأنها أن يصحبها الشك لما فيها من التعيق على " إن "، وشأن " إن " لا يعلق عليها إلا المحتمل، فلا تقول : " إن زالت الشمس اليوم أكرمتك "، بل : " ذا زالت الشمس أكرمتك "، فإن " إذا " يعلق عليها المحتمل، وغيره، بخلاف " إن ".
وأما تلك فلا يصحبها الشك، لأنها حكم بالنقيض، والحكم يعتمد الاعتقاد.
والمعلق في هذه ليس حاكما بوقوع النقيض، بل بالربط بين النقيض وما يترتب عليه من الشروط.
وعاشرها : أن هذه لا يجب إيصالها بما تقدم من الزمان، بل يجوز أن تقول بعد مدة طويلة، " إلا يكن كذا فحكمه كذا "، لأنه كلام مستقل له إيقاعه، متصلا ومنفصلا.
وتلك يجب اتصالها بالزمان على الصحيح من المذاهب، لأنها فضلة في الكلام لا مستقلة، والفضلة في الكلام لا يجوز إفرادها بخلاف الجملة المستقلة، يجوز أن ينطق بها في أي زمان شاء المتكلم. ( الاستغناء : ٥٧ إلى ٦٠ )
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي