ثم نبه كتاب الله إلى التضامن التام القائم بين أعداء الإسلام، فقال تعالى : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض .
وأخيرا حذر كتاب الله من مخالفة هذه الأوامر الإلهية الصارمة، التي بامتثالها ينهض المسلمون وينصرون، وبمخالفتها تدول دولتهم ويقبرون، فقال تعالى : إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . ففي هذه الآية الكريمة آخر إنذار وجهه كتاب الله مباشرة إلى كافة المؤمنين، ومضمون هذا الإنذار الإلهي الخطير : إنكم أيها المسلمون إن ضيعتم الألفة التي عقدتها بينكم، وانقسمتم على أنفسكم، وواليتم أعداء الإسلام بدلا من موالاة بعضكم، وإن أهملتم إعداد القوة اللازمة لحفظ كيانكم، والعمل المتواصل لتدعيم سلطانكم، وإن تخاذلتم عن إعزاز ملتكم وحماية دولتكم، وإن تهاونتم في السعي إلى فرض هيبتكم وإعلاء كلمتكم إلا تفعلوه أي أن لا تفعلوا كل هذا : تكن فتنة في الأرض أي تقم فتنة في أطراف العالم، وفي طليعة العالم الإسلامي، وذلك لتسلط قوات الشر والعدوان في كل مكان، ولفقدان التوازن بين القوات المتطاحنة في الميدان، وهكذا يسود البغي والفساد، في جميع أطراف البلاد : تكن فتنة في الأرض وفساد كبير وهذا التفسير الذي فسرنا به قوله تعالى هنا : إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ، يزداد جلاء ووضوحا كلما تدبرنا بإمعان وروية قوله تعالى في سورة البقرة تعقيبا على صراع طالوت وجالوت : ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين ، وقوله تعالى في سورة الحج : ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري