ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙ

يقول الله ( جل وعلا ) : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ( ٧٣ ) . هذه الآية الكريمة من الآيات العظام التي يعتبر بها ؛ لأن ما ذكره الله ( جل وعلا ) فيها وما حذر منه من الفتنة والفساد الكبير إن لم يوال المسلمون بعضهم بعضا، ويقطعوا موالاة الكفار، ويتركوا الكفار بعضهم يوالي بعضا، ما حذر به من أنهم إن لم يحافظوا صدق الموالاة بينهم ومقاطعة أعدائهم تقع في الارض الفتنة والفساد الكبير، فهو واقع منتشر الآن، يدل على عظم هذا القرآن العظيم وأنه كلام رب العالمين، وأن تحذيره حق، وترغيبه حق، والله في هذه الآيات من أخريات سورة الأنفال بين أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، قال في المهاجرين والأنصار : أولئك بعضهم أولياء بعض وهم في ذلك الوقت سادات المسلمين جميعا في أقطار الدنيا ؛ لأنهم هم الأغلبية والكثرة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أتبع ذلك بأن الكفار بعضهم أولياء بعض، ويؤخذ من هذا – من قطع الولاية أولا بين الكفار والمؤمنين – أنه لا يرث كافر مسلما ولا مسلم كافرا ؛ لأن الميراث لا بد له من ولاية بين الوارث والموروث، وقد قطع الله الولاية بينهما، وما دل عليه ظاهر هذه الآية الكريمة جاء مصرحا به في الحديث الصحيح عنه ( صلوات الله وسلامه عليه ) حيث يقول : " لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر " ١ وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، دل عليه عموم هذه الآيات الكريمة، وصرح به النبي صلى الله عليه وسلم. ومن هذه الموالاة قال بعض العلماء ٢ : منها ولاية النكاح، فالمرأة المؤمنة لا يلي عقدها أبوها الكافر ؛ لأن الله قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين، والله يقول : ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا [ النساء : الآية ١٤١ ] وقد قدمنا أن العبرة بعموم الالفاظ لا بخصوص الأسباب ٣.
وكذلك قال العلماء : لو كانت كافرة ذمية وأراد مسلم تزويجها ولها ولي عم أو أب من المسلمين فإنه لا يتولى عقد نكاحها ولو للمسلم، لانقطاع الولاية بين الكفار والمسلمين، وإنما يزوجها أقرباؤها من أهل دينها أو أساقفتهم. وشذ في هذه المسألة أصبغ – أحد أصحاب مالك بن أنس رحمه الله – فقال : إن الكافرة إذا كان لها ولي مسلم يزوجها من مسلم، قال : فعقد المسلم لها خير للمسلم من عقد الكافر ٤. وهذا القول ليس بصواب ؛ لأنه لا ولاية بين مسلم وكافر ألبتة، والكفار بينهم ولاية الكفر، ولاية الشيطان والكفر، كما قال الله : والذين كفروا بعضهم أولياء بعض .
وهذه الآية تدل على أن الكفار بعضهم ولي بعض، وظاهرها أن الكافر يرث الكافر ولو اختلت مللهما من الكفر، وبهذا الظاهر تمسك من قال يرث النصراني اليهودي واليهودي النصراني، كما يتوارث غيرهم من أهل الملل. والصواب أنه لا يتوارث أهل ملتين للحديث الوارد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم " لا يتوارث أهل ملتين " ٥ وهو الأصوب، وهو أخص ؛ لأنه يبين المراد بعموم هذه الآية الكريمة.
وقوله : والذين كفرا مبتدأ، و بعضهم مبتدأ آخر، و أولياء خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول كما هو واضح. وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا ٦ أن مادة الكاف والفاء والراء ( كفر ) أن معناها في لغة العرب التي نزل بها القرآن : الستر والتغطية، فكل شيء غطيته وسترته فقد كفرته، وهذا معنى معروف في كلام العرب مشهور مبتذل في كلامهم جدا، ومنه سمت العرب الليل كافرا ؛ لأنه يكفر الأجرام ويغطيها عن العيون بظلامه، ومنه قول لبيد بن ربيعة ( رضي الله عنه ) في معلقته ٧ :
حتى إذا ألقت يدا في كافر *** وأجن عورات الثغور ظلامها
ومن هذا المعنى قل بيد في معلقته هذه ٨ :
يعلو طريقة متنها متواتر *** في ليلة كفر النجوم غمامها
يعني : ستر النجوم وغطاها غمامها. هذا أصل المادة، وتكفير السيئات من هذه المادة ؛ لأن الله يغطيها ويسترها بحلمه حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها، وإنما قيل الكافر ( كافر ) لأنه يغطي أدلة التوحيد بجحوده مع وضوحها، ويغطي نعمة الله ويسترها كأنه ليس عليه إنعام من الله حيث يأكل. رزقه ويتقلب في نعيمه ويعبد غيره.
وقوله ( جل وعلا ) في هذه الآية الكريمة : إلا تفعلوه هي ( إن ) الشرطية أدغمت في ( لا ) النافية. والمقرر في علم العربية : أن ( إن ) الشرطية التي تجزم فعلين إن جاءت بعد ( لا ) النافية لا تمنع عملها من الجزم، فهي ( إن ) الشرطية، وفعل الشرط هو قوله : إلا تفعلوه مجزوم بحذف النون، وجزاء الشرط هو قوله : تكن فتنة والتحقيق : أن ( تكن ) أنه تام، وأن ( فتنة ) فاعله، وليس من الأفعال الناقصة الناسخة كما هو الصواب، والضمير في قوله : تفعلوه أما الضمير المرفوع الذي هو الواو فهو عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو يتناول جميع المسلمين إلى يوم القيامة. وأما الضمير المنصوب فهو ضمير الواحد الغائب – أعني الهاء في قوله : إلا تفعلوه – فلعلماء التفسير في مرجع هذا الضمير أقوال معروفة ٩ سنذكر طرفا منها ونبين الصواب فيها – إن شاء الله - : قال بعض العلماء : إلا تفعلوه راجع إلى الميراث المفهوم من قوله : بعضهم أولياء بعض لأنه يدخل فيها ولاية الميراث، إلا تتركوا الكافر يرث الكافر، والمسلم يرث المسلم دون الكافر تكن فتنة. وهذا مروي عن ابن عباس ١٠ وغيره، ومعه أقوال شبهه.
والتحقيق الذي لا شك فيه – إن شاء الله – أن الضمير – الهاء – في قوله : إلا تفعلوه عائد إلى ما ذكره الله ( جل وعلا ) من ولاية المسلمين بعضهم بعضا ومقاطعتهم للكفار، وولاية الكفار بعضهم بعضا وقد جرت العادة في كلام العرب الذي نزل به القرآن، وفي القرآن العظيم، أنه يرجع الضمير أو ترجع الإشارة إلى أشياء متعددة ويرجع الضمير إليها بصيغة الإفراد ١١، كأنه يعني بالضمير أي : ما ذكر من الأشياء المتعددة من اثنين فصاعدا، وهذا موجود في الضمائر، وفي كلام العرب، ولما أنشد رؤبة بن العجاج في رجزه ١٢ :
فيها خطوط من سواد وبلق *** كأنه في الجلد توليع البهق
قال له رجل : لم قلت : " كأنه " إذا كنت تعني الخطوط فالصواب أن تقول " كأنها " وإذا كنت تعني السواد والبلق فهلا قلت : " كأنهما " فأي وجه لقولك : " كأنه " ؟ قال : كأنه أي : ما ذكر ؟ ومن أصرح الأدلة القرآنية في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام : قل أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به ( به ) أي : بجميع ما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم كما لا نزاع فيه. وهذا معنى معروف في كلام العرب، وقد قدمنا بعض شواهده في سورة البقرة في الكلام على قوله : إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ١٣ أي : بين ذلك المذكور من الفارض والبكر. ومن نظيره في الإشارة قول ابن الزبعري السهمي ١٤ :
إن للخير وللشر مدى *** وكلا ذلك وجه وقبل
أي : كلا ذلك المذكور.
والمعنى : إلا تفعلوا ذلك الذي ذكرنا من موالاة بعضكم لبعض موالاة صدق، ومقاطعتكم للكفار مقاطعة كاملة، وترك الكفار يوالي بعضهم بعضا إلا تفعلوا هذا تكن أي : تقع فتنة في الأرض وفساد كبير وهذا المشاهد الآن، فإن من يسمون بالمسلمين تولوا الكفار وقاطعوا المسلمين، وصار هذا الكافر وهذا المسلم يزعمان أنهما أخوان، وأنهما تجمعهما العصبية الفلانية، أو القومية الفلانية، وأن هذه الدولة الكافرة صديقة، وأن هذين الشعبين شقيقان وما جرى مجرى ذلك.
فلم يفعلوا ما أمر الله بأن يفعلوه فكانت فتنة في الأرض وفساد كبير. ومن عظم هذه الفتنة اختلاط الحابل بالنابل ؛ لأن المسلمين إذا صادقوا الكفار أعانوهم على أذية المسلمين وقتلهم وكل ما يريدونه بهم، وأطلعوهم على عوراتهم، إلى غير ذلك، فانتشر في الدنيا الفساد العريض العظيم، وانتشرت الفتنة، وهذا مشاهد يجب على المؤمنين أن يعتبروا بهذا فيقطعوا ولايتهم من جميع الكفار، ويصدقوا ولاية بعضهم لبعض لئلا تتمادى بهم هذه الفتنة والفساد الكبير.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا ١٥ أن الفتنة جاءت في القرآن لمعاني معروفة، أشهر معاني الفتنة " أن أصل الفتنة هي وضع الذهب في النار ليمتحن بسبك في النار : أخالص هو أم زائف ؟ تقول العرب : فتنت هذا الذهب. أي : جعلته في النار وأذبته فيها ؛ لأنه إذا ذاب تبين أخالص هو أم زائف ؟ ولذا صار يأتي في القرآن وفي كلام العرب إطلاق اسم الفتنة على مطلق الوضع في النار، ومنه قوله تعالى : يوم هم على النار يفتنون ( ١٣ ) [ الذريات : الآية ١٣ ] أي : يوضعون فيها ويحرقون. ومنه على أحد التفسيرين قوله تعالى : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنت [ البروج : الآية ١٠ ] يعني : أحرقوهم بنار الأخدود. هذا معنى من معاني الفتنة.
ومعناها الثاني : أن الفتنة تطلق على الاختبار، وهذا أشهر معانيها، وهو في الحقيقة راجع إلى الأول ؛ لأن وضع الذهب في النار ليختبر بالنار أخالص هو أم زائف ؟ وإطلاق الفتنة على الاختبار إطلاق مشهور مستفيض في القرآن العظيم وفي كلام العرب، ومنه قوله تعالى : وألو استقموا على الطريقة لأسقينهم ماء غدقا ( ١٦ ) لنفتنهم فيه [ الجن : الآيتان ١٦، ١٧ ] ونبلوكم بالشر والخير فتنة [ الأنبياء : الآية ٣٥ ] أي : اختبارا وامتحانا. إلى غير ذلك من الآيات.
وإطلاق الفتنة الثالث : تطلق الفتنة على نتيجة الاختبار بشرط كونها سيئة خاصة ؛ لأن المختبر إذا كانت اختباره سيئة كان ضالا ؛ ولذا تطلق الفتنة على الكفر والضلال، يقولون : فتنه عن دينه. أي : أضله. وهذا مفتون. أي : ضال في دينه. ومنه بهذا المعنى : وقتلوهم حتى لا تكون فتنة [ الأنفال : الآية ٣٩ ] أي : لا يبقى في الدنيا شرك على أصح التفسيرين ؛ لأن قوله حتى لا تكون فتنة غاية غيا فيها القتال لئلا يكون في الدنيا شرك. وهذا بينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا صريحا صحيحا في قوله : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله " ١٦.
قال بعض العلماء : جاء للفتنة إطلاق رابع في سورة الأنعام، وهو أنها أطلقت على الحجة. قال : ومنه قوله تعالى : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ( ٢٣ ) وفي القراءة الأخرى ١٧ : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ( ٢٣ ) [ الأنعام : الآية ٢٣ ] فهذه الفتنة هي في الحقيقة المعنى الثاني من هذه المعاني التي ذكرنا، وهي نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة ؛ لأنه إذا اتصل الكافر بالمسلم، والمسلم بالكافر صار الكافر صديق المسلم، وصار المسلم صديق الكافر، فكل هذا ضلال مخالف لما جاء من الله، تتسبب عنه المحن والبلايا كما هو معروف.
وقوله : وفساد الفساد في لغة العرب هو ضد الإصلاح، فكل أمر ليس على وجهه الصحيح الذي هو إصلاح تسميه العرب فاسدا. ووصف هذا الفساد بالكبير لأنه ضياع دين، وضعف إسلام، وقوة كفار، وإطلاعهم على عورات المسلمين بواسطة من يصادقهم ويواليهم من المسلمين، إلى غير ذلك من البلايا. وقد بين الله ( جل وعلا ) قبل هذا آيات تبين هذه الآية، فبين أن موالاة الكافر للمسلم لا يرخص منها في شيء إلا بقدر ما يدفع الضرورة عند الخوف، ويكون ذلك باللسان لتفا

١ اخرجه البخاري في الفرائض، باب: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم. حديث (٦٧٦٤) (١٢/ ٥٠) ومسلم في الفرائض، في فاتحته، حديث رقم: (١٦١٤) (٣/ ١٢٣٣)..
٢ انظر: القرطبي (٨/ ٥٧).
٣ راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٧) من سورة الأنعام..
٤ انظر: القرطبي (٨/ ٥٧).
٥ روى هذا الحديث غير واحد من الصحابة (رضي الله عنهم)، ومنهم:
جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما)، عند الترمذي في الفرائض، باب: لا يتوارث أهل ملين. حديث رقم: (٢١٠٥) (٤/ ٤٢٤). وهو في صحيح الترمذي (١٧١٥)، الإرواء (٦/ ١٢١، ١٥٥).
عد الله بن عمرو (رضي الله عنهما)، عند أحمد (٢/ ١٧٨، ١٩٥)، وأبي داود في الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر. حديث رقم: (٢٨٩٤) (٨/ ١٢٢)، وابن ماجه ف الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك. حديث رقم: (٢٧٢٩) (٢/ ٩١٢)، والدرقطني (٤/ ٧٢، ٧٥)، وابن الجارود (٣/ ٢٣٢). وانظر: صحيح أبي داود (٢٥٢٧) وصحيح ابن ماجه (٢٢٠٧)، الإرواء (٦/ ١٢٠).
أسامة بن زيد (رضي الله عنهما). عند الحاكم (٢/ ٢٤٠). وانظر: الإرواء (٦/ ١٢٠).
عن الشعبي مرسلا. عند الدارمي (٢/ ٢٦٧).
وساق الدارمي في هذا المعنى جملة من الآثار عن بعض الصحابة (رضي الله تعالى عنهم)..

٦ مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف..
٧ مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف..
٨ مضى عند تفسير الآية (٤٥) من سورة الأعراف..
٩ انظر: الدر المصون (٥/ ٦٤١)..
١٠ أخرجه ابن جرير (١٤/ ٨٦) من طريق علي بن أبي طلحة..
١١ مضى عند تفسير الآية (٤٨) من سورة البقرة..
١٢ تقدم هذا الشاهد عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة..
١٣ راجع الموضع السابق، وكذا ما ذكره عند تفسيره للآية (٦٩) من سورة البقرة..
١٤ تقدم هذا الشاهد عند الآية (٥٤) من سورة البقرة.
١٥ راجع ما سبق عند تفسير الآية (٥٣) من سورة الأنعام..
١٦ السابق..
١٧ مضت عند تفسير الآية (١٥٥) من سورة الأعراف.
.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير