ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆ

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧٤]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ عود لذكر المهاجرين والأنصار، للثناء عليهم، والشهادة لهم، مع الموعد الكريم. فلا تكرار، لما أن مساق الأول لإيجاب التواصل بينهم، فذكرهم هاهنا لبيان تعظيم شأنهم، وعلوّ درجتهم.
قال الرازي: وبيانه من وجهين:
الأول- أن الإعادة تدل على مزيد الاهتمام بحالهم، وذلك يدل على الشرف والتعظيم.
والثاني- وهو أنه تعالى أثنى عليهم هاهنا من ثلاثة أوجه:
أولها- قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا فقوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يفيد الحصر، وقوله: حَقًّا يفيد المبالغة في وصفهم بكونهم محقين محققين في طريق الدين، وقد كانوا كذلك، لأن من لم يكن محقّا في دينه، لم يتحمل ترك الأديان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن، ولم يبذل النفس والمال، ولم يكن في هذه الأحوال من المتسارعين المتسابقين.
وثانيها- قوله لَهُمْ مَغْفِرَةٌ والتنكير يدل على الكمال، أي مغفرة تامة كاملة.
وثالثها- قوله وَرِزْقٌ كَرِيمٌ والمراد منه الثواب الرفيع الشريف انتهى.
وقد أثنى تعالى على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه الكريم والله أعلم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأنفال (٨) : آية ٧٥]
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ أي من جملتكم، أي المهاجرون والأنصار، في استحقاق ما استحقيتموه من الموالاة والمناصرة، وكمال

صفحة رقم 336

الإيمان والمغفرة والرزق الكريم.
وهل المراد من قوله مِنْ بَعْدُ هو من بعد الهجرة الأولى، أو من بعد الحديبية. وهي الهجرة الثانية، أو من بعد نزول هذه الآية، أو من بعد يوم بدر؟ أقول- واللفظ الكريم يعمها كلها، والتخصيص بأحدهما تخصيص بلا مخصص.
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ أي في حكمته وقسمته، أو في اللوح، أو في القرآن، لأن (كتاب الله) يطلق على كل منها إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه التي هي منتهى الصواب والحكمة والصلاح.
تنبيهات:
الأول إن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والمناصرة عند من فسر ما تقدم من قوله بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وما بعده بالتوارث.
أخرج أبو داود «١» من حديث ابن عباس قال: كان الرجل يحالف الرجل، ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما من الآخر، فنسخ ذلك آية الأنفال فقال:

وَأُولُوا الْأَرْحامِ إلخ إلا أن في إسناده من فيه مقال.
وأما من فسر الموالاة المتقدمة بالنصرة والمعونة والتعظيم، فيجعل هذه الآية إخبارا منه سبحانه وتعالى بأن القرابات بعضهم أولى ببعض. وذلك أن تلك الآية، لما كانت محتملة للولاية بسبب الميراث، بيّن الله تعالى في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة، إلا ما خصه الدليل، فيكون المقصود من الآية إزالة هذا الوهم.
قال الرازي: وهذا أولى. لأن تكثير النسخ، من غير ضرورة وحاجة، لا يجوز.
الثاني- استدل بالآية من ورّث ذوي الأرحام، وهم من ليسوا بعصبات، ولا ذوي سهام. قال: ويعضده
حديث «٢» :(الخال وارث من لا وارث له)
وأجاب من منع توريثهم بأن المراد من الآية من ذكر الله من ذوي السهام والعصبات. ومن
الحديث: (من كان وارثه الخال فلا وارث له)
. وردّ بأنها عامة فلا موجب للتخصيص، وبأن معنى الحديث: من كان لا وارث له غيره،
لحديث: (أنا عماد من لا عماد له).
(١) أخرجه أبو داود في: الفرائض، ١٦- باب نسخ ميراث العقد بميراث الأرحام، حديث رقم ٢٩٢١. [.....]
(٢) أخرجه أبو داود في: الفرائض، ٨- باب في ميراث ذوي الأرحام، حديث رقم ٢٨٩٩ و ٢٩٠٠ عن المقدام الكندي.

صفحة رقم 337

ثم إن الذين أثبتوا ميراثهم اختلفوا في أنهم هل يرثون بالقرب، أو بالتنزيل، وهل يرث القريب مع البعيد، وهل يفضل الذكر على الأنثى أو لا؟ والآية محتملة.
أفاده بعض مفسري الزيدية.
قال ابن كثير: ليس المراد بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال، والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم، كما يزعمه بعضهم، ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحا في المسألة. بل الحق أن الآية عامة، تشمل جميع القرابات كما نص عليه ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورّثهم يحتج بأدلة، من أقواها
حديث «١» :(إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)
قالوا: فلو كان ذا حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى، فلما لم يكن كذلك، لم يكن وارثا.
انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال، إذ لا يلزم من ثبوت الحق تعيين الفرض.
على أن معنى الحديث، أعطى كل ذي حق حقه مفصلا ومجملا، وقد أعطاهم حق الأولوية العامة، ووكل بيان ما يفهم من إجمال الإرث بعمومها لاستنباط الراسخين وفهمهم على قاعدة عمومات التنزيل.
وقد رأيت في هذه المسألة مقالة بديعة أوردها الحسن الصابئ في (تاريخ الوزراء) في أخبار وزارة أبي الحسن بن الفرات، نأثرها هنا، لأنها جمعت فأوعت، قال رحمه الله:
ونسخة ما كتب به أبو خازم إلى بدر المعتضدي جواب كتابة إليه في أمر المواريث: وصل كتاب الأمير، يذكر أنه احتيج إلى كتابي بالذي أراه واجبا من مال المواريث لبيت المال، ومالا أراه واجبا منه، وتلخيص ذلك وتبيينه- وأنا أذكر للأمير الذي حضرني من الجواب في هذه المسألة والحجة فيما سأل عنه ليقف على ذلك إن شاء الله-.
الناس مختلفون في توريث الأقارب، فروي عن زيد بن ثابت أنه جعل التركة- إذا لم يكن للمتوفى من يرثه من عصبة وذي سهم- لجماعة من المسلمين وبيت

(١) أخرجه أبو داود في: الوصايا، ٦- باب ما جاء في الوصية للوارث، حديث رقم ٢٨٧٠.

صفحة رقم 338

مالهم. وكذلك يقول في الفصل بعد السّهمان المسماة، إذا لم تكن عصبة. ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة سوى زيد بن ثابت. وقد خالفه عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجعلوا ما يفضل من السّهمان ردا على أصحاب السهام من القرابة، وجعلوا المال لذي الرحم إذا لم يكن وارث سواه. والسنّة تعاضد ما روي عنهم، وتخالف ما روي عن زيد بن ثابت وتأويل القرآن يوجب ما ذهبوا إليه. وليس لأحد أن يقول في خلاف السنة والتنزيل بالرأي. قال الله تعالى:
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. فصيّر القريب أولى من البعيد، وإلى هذا ذهب عمر وعليّ وعبد الله رضي الله عنهم ومن تابعهم من الأئمة، وعليه اعتمدوا، وبه تمسكوا- والله أعلم.
ولو كان في هذه المسألة ما يدل عليه شاهد من الكتاب والسنة، لكان الواجب تقليد الأفضل والأكثر من السابقين الأولين، وترك قبول من سواهم ممن لا يلحق بدرجتهم بسابقته. وإذا ردّ أمر الناس إلى التخيير من أقاويل السلف فهل يحيل أو يشكل على أحد أن زيدا لا يفي علمه بعلم عمر وعليّ وعبد الله؟ وإذا فضلوا في السابقة والهجرة، فمن أين وجب أن يؤخذ بما روي عن زيد بن ثابت، واطّراح ما روي عنهم، وقد استدلوا مع ذلك بالكتاب فيما ذهبوا إليه، وبالسنة فيما أفتوا به؟
والرواية ثابتة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بتوريث من لا فرض له في الكتاب من القرابة. فمن ذلك ما ذكر لنا
عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي عامر الهرويّ عن المقدام ابن معدي كرب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «١» أنه قال: الخال وارث من لا وارث له يرث ماله، ويعقل عنه. وكذلك بلغنا عن شريك بن عبد الله عن ليث عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم مثله. وعن ابن جريج عن عمر بن سلم عن طاوس عن عائشة أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال مثل ذلك.
وذكر عن عبادة بن أبي عباد عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن محمد بن يحيا بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال: توفي ثابت بن أبي الدحداح، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لعاصم بن عدي: أله فيكم نسب؟. قال: فدفع تركته إلى ابن أخته
فقد أوجب عليه السلام، بما نقلته عنه هذه الرواية، توريث من لا سهم له من القرابة مع عدم أصحاب السّهمان المبينة في الكتاب. وأعطى الجدة السدس من الميراث، ولا فرض لها، وفي ذلك الاتفاق، وفيما صير لها من السدس، دليل على أن من لا سهم له من القرابة في معناها؟ إذا بطلت السهام، ولم يكن من أهلها، وأنه أولى بالميراث من الأجنبيّ.

(١) أخرجه أبو داود في: الفرائض، ٨- باب في ميراث ذوي الأرحام، حديث رقم ٢٨٩٩ و ٢٩٠٠.

صفحة رقم 339

والمرويّ عن زيد بن ثابت أنه جعل الفضل عن سهام الفرائض، وكل المال، إذا سقطت السهام بعد أهلها، لجماعة المسلمين. فجعلهم كلهم وارثا، وجعل ما يصير لهم من ذلك- في خلاف مال الفيء المصروف إلى الشحنة وأرزاق المقاتلة وإلى المصالح إذا كان ذلك- يكون فبما روي عنه للناس كافة، وعددهم لا يحصى، فغير ممكن أن يقسم ذلك فيهم وهم متفرقون في أقطار الأرض، مشارقها ومغاربها. وإذا امتنع ذلك وخرج إلى ما ليس بممكن، فسد وثبت ما قلناه من قول أكابر الأئمة، وقد تأول بعض المتأولين قوله الله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ فقال فيه: كان الناس يتوارثون بالحلف دون القرابة. فلما أوجب الله المواريث لأهلها من الأقارب، منع الحليف بما فرض من السهمان فغلطوا وصرفوا حكم الآية إلى الخصوص، فذلك غير واجب مع عدم الدليل، لأن مخرجها في السمع مخرج العموم.
وبعد، فلو كان تأويلها ما ذهبوا إليه، وكانت السهام التي نسخت ما يرثه الحليف قبل نزول الفرائض، لوجب في بدء، وما قالوا إذا كان لا وارث للميت من أصحاب السهام أن يكون الحليفان في التوارث على أول فرضهما، وعلى المقدم من حكمها، لأن الذي منعهما إذا ثبت هذا التأويل (من له سهم) دون (من لا سهم له)، فإذا ارتفع المانع، رجع الحكم إلى بدئه. ولا اختلاف بين الفريقين أن الحليف لا يرث الحليف اليوم، وإن كان لا وارث سواه، وهذا يدل على فساد تأويلهم، وعلى أن المراد في الآية التي أوجبت الحق للأقارب غير الذي ذهبوا إليه، فإن الله سبحانه إنما أراد بمعناها اختصاص القريب بالإرث دون البعيد. وقد يلزم من ذهب إلى الرواية عن زيد، وترك الرواية عن عمر وعليّ وعبد الله عليهم السلام جانبا، وأسقط التعاقل بين الأجنبي والقريب، أن يجعل ذا الرحم أولى، لأنه لا يفضل الأجنبي بالقرابة.
وترتيب المواريث في الأصل يجري على من تقدمه من فضل غيره في المناسبة، كالأخ للأب والأم، والأخ للأب، وابن العم للأب والأم، وابن العم للأب، واختصاصهما قرابة أولاهما بالميراث عند جمع الجميع. قال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١]، وولد الولد، من سفل منهم ومن ارتفع، يعمهم هذا الاسم، إلا أن الأقرب منهم، في معنى الآية، أحق من الأبعد. فإذا كان ذلك كذلك، كان القريب أولى من الأجنبي بالتركة للرحم التي تقرّب بها دونه.
وبعد، فإن العلماء نفر يسير لا يعرفون الصواب في هذه المسألة، إلا فيما روي عن الخليفتين عمر وعليّ صلوات الله عليهما، وما روي عن ابن مسعود، ثم لم

صفحة رقم 340

يقتصروا في المبالغة والدليل في توريث ذي الرحم، إلا على ما روي عن عبد الله بن العباس، جدّ أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وترجمان القرآن، وبحر العلم، ومن كان إذا تكلم سكت الناس، ومن دعا له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم
فقال «١» : اللهم! فقهه في الدين وعلمه التأويل.
ودعوة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مستجابة. ومن كان أعلم بتأويل القرآن فاتباعه فيه أوجب. وقد روي عن ابن عباس مثل ذلك من قول عمر وعليّ وعبد الله والجماعة. وما زالت الخلفاء من أجداد أمير المؤمنين، أعزه الله، يستقضون الحكام، فيقضون برد المواريث على الأقارب، ولا ينكرون ذلك على من قضى به من قضاتهم، ولا تردونه متجاوزا للحق فيه، وما عرفت الجماعة بغير هذا الاسم إلا منذ نحو عشرين سنة، وأمير المؤمنين أولى من اتبع آثار السلف، واقتدى بخلفاء الله، ومال إلى أفضل المذهبين، وإلى الله الرغبة في عصمة الأمير، وتسديده، والحمد لله رب العالمين. انتهى.
ونقل أبو الحسن الصابي قبل نسخة أبي الحسن محمد بن جعفر بن ثوابة في المواريث، وفيها نقل ما كتبه عبد الحميد في كتاب مواريث أهل الملة، وأنه حكى فيه أن عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم ومن اتبعهم من الأئمة الهادين رحمة الله عليهم، رأوا أن يردّ على أصحاب السهام من القرابة ما يفضل عن السهام المفترضة في كتاب الله تبارك وتعالى من المواريث، إذا لم يكن للمتوفى عصبة يحوز باقي ميراثه، وجعلوا، رضي الله عنهم، تركة من يتوفى ولا عصبة له لذوي رحمه، إن لم يكن له وارث سواهم، ممتثلين في ذلك أمر الله سبحانه إذ يقول: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم في توريثه من لا فرض له في كتاب الله تعالى من الخال وابن الأخت والجدة. انتهى.
الثالث- استدل بالآية الإمامية على تقديم الإمام علي كرم الله وجهه على غيره في الإمامة، لاندراجها في عموم الأولوية. والجواب- على فرض صحة هذه الدلالة- أن العباس رضي الله عنه كان أولى بالإمامة، لأنه كان أقرب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من علي رضي الله عنه.

(١)
أخرجه البخاري في: العلم، ١٧- باب قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «اللهم! علمه الكتاب»، ونصه: اللهم! علمه الكتاب.
وفي: الوضوء، ١٠- باب وضع الماء عند الخلاء، ونصه: اللهم فقهه في الدين.
وفي: فضائل أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ٢٤- باب ذكر ابن عباس، ونصه: اللهم! علمه الحكمة.
وفي: الاعتصام بالكتاب والسنة، ونصه: اللهم! علمه الكتاب، والحديث رقم ٦٥
. أما النص الذي أورده المؤلف فلم أعثر عليه.

صفحة رقم 341

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة التوبة
هي مدنية بإجماعهم. قيل: سوى آيتين في آخرها لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ.. [التوبة: ١٢٨] فإنهما نزلتا بمكة. وفيه نظر. فقد روى البخاري «١» عن البراء أنها آخر سورة نزلت، واستثنى بعضهم ما كانَ لِلنَّبِيِّ.. [التوبة: ١١٣]- لما
ورد أنها نزلت في قوله صلّى الله عليه وسلّم لأبي طالب: لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك.
وهي مائة وتسع وعشرون آية ولهذه السورة عشرة أسماء:
١- براءة: سميت بها لافتتاحها بها، ومرجع أكثر ما ذكر فيها إليها.
٢- التوبة: لتكرارها فيها، كقوله تعالى: فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [التوبة: ٣]، فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ [التوبة: ٥ و ١١]، وقوله: ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ [التوبة: ٢٧]، وقوله: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ [التوبة: ٧٤] وقوله عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٢] وقوله: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ [التوبة: ١١٧]، وقوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ [التوبة: ١٠٤]، وقوله: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [التوبة: ١١٢] وهما أشهر أسمائها.
٣- الفاضحة: أخرج البخاري «٢» عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس:
(١) أخرجه البخاري في: التفسير، ٩- سورة التوبة، ١- باب قوله بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، حديث ١٩٤١.
(٢) أخرجه البخاري في: التفسير، ٥٩- سورة الحشر، ١- حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حديث رقم ١٨٦٩.

صفحة رقم 342

سورة التوبة، قال: التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم، حتى ظنوا أنها لم تبق أحدا منهم إلا ذكر فيها.
٤- سورة العذاب: رواه الحاكم عن حذيفة، وذلك لتكرره فيها.
٥- المقشقشة: رواه أبو الشيخ عن ابن عمر، والقشقشة معناها التبرئة، وهي مبرئة من النفاق.
٦- المنقرة: أخرجه أبو الشيخ عن عبيد بن عمير لأنها نقرت عما في قلوب المشركين. أي بحثت.
٧- البحوث: بفتح الباء، صيغة مبالغة، رواه الحاكم عن المقداد.
٨- الحافرة: ذكره ابن الغرس، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين، أي بحثت عنها، مجازا.
٩- المثيرة: رواه ابن أبي حاتم عن قتادة لأنها أثارت مثالبهم وعوراتهم أي أخرجتها من الخفاء إلى الظهور.
١٠- المبعثرة: لأنها بعثرت أسرارهم أي أظهرتها.
١١- المدمدمة: أي المهلكة لهم.
١٢- المخزية.
١٣- المنكلة: أي المعاقبة لهم.
١٤- المشردّة: أي الطاردة لهم والمفرقة جمعهم.
وليس في السور أكثر أسماء منها ومن الفاتحة.
تنبيه:
للسلف في وجه ترك كتابة البسملة في هذه السورة والتلفظ بها أقوال:
١-
روى الحاكم في (المستدرك) عن ابن عباس قال: سألت عليّ بن أبي طالب: لم لم تكتب في (براءة) البسملة؟ قال: لأنها أمان. وبراءة نزلت بالسيف.
أي فنزولها لرفع الأمان الذي يأبى مقامه التصدير بما يشعر ببقائه من ذكر اسمه تعالى، مشفوعا بوصف الرحمة. ولذا قال ابن عيينة: اسم الله سلام وأمان، فلا يكتب في النبذ والمحاربة. قال الله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً [النساء: ٩٤]، قيل له: فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد كتب إلى أهل الحرب البسملة. قال: إنما ذلك ابتداء منه يدعوهم، ولم ينبذ إليهم. ألا تراه
يقول: سلام على من اتبع الهدى؟
فمن دعي إلى الله عزّ وجلّ فأجاب، ودعي إلى الجزية فأجاب،

صفحة رقم 343

فقد اتبع الهدى، فظهر الفرق. وكذا قال المبرد: إن التسمية افتتاح للخير، وأول هذه السورة وعيد ونقض عهود، فلذلك لم تفتتح بالتسمية.
٢- عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر البسملة، ووضعتموها في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كثيرا ما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وإذا نزلت عليه الآية يقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت (الأنفال) من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت (براءة) من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وظننت أنها منها. وقبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يبين لنا أنها منها أو من غيرها، من أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب البسملة، ووضعتها في السبع الطوال. أخرجه أبو داود «١» والترمذي «٢» وقال: حديث حسن ورواه الإمام أحمد «٣» والنسائي وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه.
قال الزجاج: والشبه الذي بينهما أن في (الأنفال) ذكر العهود، وفي (براءة) نقضها.
٣- أخرج أبو الشيخ عن أبي روق قال: (الأنفال) و (براءة) سورة واحدة.
ونقل مثله عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم عن سفيان. وقال ابن لهيعة: يقولون إن (براءة) من (الأنفال)، ولذلك لم تكتب البسملة في (براءة)، وشبهتهم اشتباه الطرفين، وعدم البسملة. ويردّه تسمية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلا منهما.
وقال الحاكم: استفاض النقل أنهما سورتان.
وقال أبو السعود: اشتهارها بهذه الأسماء- يعني الأربعة عشر اسما المتقدمة- يقضي بأنها سورة مستقلة، وليست بعضا من سورة الأنفال، وادعاء اختصاص الاشتهار بالقائلين باستقلالها، خلاف الظاهر، انتهى.

(١) أخرجه أبو داود في: الصلاة، ١٢٢- باب من لم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، باب من جهر بها، حديث رقم ٧٨٦.
(٢) أخرجه الترمذي في: التفسير، ٩- سورة التوبة، ١- حدثنا محمد بن بشار.
(٣) أخرجه في المسند ١/ ٥٧، حديث ٣٩٩.

صفحة رقم 344

محاسن التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي

تحقيق

محمد باسل عيون السود

الناشر دار الكتب العلميه - بيروت
سنة النشر 1418
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية