ﮟﮠﮡ

ثُمَّ لما ذكر المرتبة الوسطى قال تعالى : ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ .
قيل : المراد : تيسير خروجه من بطنِ أمِّه، ولا شكَّ أن خروجه حيًّا من أضيقِ المسالك من أعجب العجائبِ، يقالُ : إنه كان رأسه في بطن أمه من فوقٍ، ورجلاهُ من تحتٍ، فإذا جاء وقت الخروج انقلب، فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام، المراد منه قوله تعالى : وَهَدَيْنَاهُ النجدين [ البلد : ١٠ ]، أي : التمييز بين الخير والشرِّ.
وقيل : مخصوصٌ بالدين.
قوله تعالى : ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ . يجوز أن يكون الضمير للإنسان، والسبيل ظرف، أي : يسر للإنسان الطريق، أي : طريق الخير، والشر، كقوله تعالى : وَهَدَيْنَاهُ النجدين [ البلد : ١٠ ].
وقال أبو البقاء(١) : ويجوز أن ينتصب بأنَّه مفعولٌ ثانٍ ل «يسره »، والهاء للإنسان، أي : يسره السبيل، أي : هداه له.
قال شهاب الدين(٢) : فلا بد من تضمينه معنى «أعْطَى » حتى ينصب اثنين، أو حُذف حرف الجر أي : يسَّره للسَّبيل، ولذلك قدره بقوله :«هَداه له »، ويجوز أن يكون «السَّبيل » منصوباً على الاشتغالِ بفعلٍِ مقدرٍ، والضمير له، تقديره : ثم يسِّر السبيل يسَّره، أي : سهلهُ للناس، كقوله تعالى : أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى [ طه : ٥٠ ]، وتقدَّم مثله في قوله تعالى : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل [ الإنسان : ٣ ].

فصل في تفسير الآية


روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ومجاهدٍ قالا : سبيل الشقاء والسعادة(٣).
وقال ابن زيد : سبيل الإسلام(٤)، وقال أبو بكر بن طاهر : يسّر على كلّ أحد ما خلقهُ لهُ وقدره عليه، لقوله عليه الصلاة والسلام :«اعْمَلُوا فكُلٌّ مُيسَّرٌ لمَا خُلِقَ لَهُ »(٥).
١ ينظر: الإملاء ٢/٢٨١..
٢ ينظر: الدر المصون ٦/٤٨٠..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤٤٨)، عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٥٢٠)، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٤٤٨)، عن ابن زيد..
٥ أخرجه البخاري (١١/٥٠٣)، كتاب: القدر، باب: وكان أمر الله قدرا مقدورا حديث (٦٦٠٥)، ومسلم (٤/٢٠٣٩)، كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق حديث (٦/٢٦٤٨)، من حديث علي..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية