ﮟﮠﮡ

ثم امتن عليه فقال : ثم السبيل يسره وهذا إشارة على ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت وكذلك قال : من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (١) ومعناه : أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا ونطفة ثانيا وأسمعه بعد أن كان أصمن وبصره بعد ما كان فاقدا للبصر، وقواه بعد الضعف، وعلمه بعد الجهل، وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها، وأغناه بعد الفقر، وأشبعه بعد الجوع، وكساه بعد العري، وهداه بعد الضلال، فانظر كيف دبره وصوره، وإلى السبيل كيف يسره، وإلى طغيان الإنسان ما أكفره وإلى جهل الإنسان كيف أظهره ؟ فقال : أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (٢) ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (٣) فانظر إلى نعمة الله عليه، كيف نقله من تلك الذلة والقلة والخسة والقذارة على هذه الرفعة والكرامة فصار موجودا بعد العدم، وحيا بعد الموت، وناطقا بعد البكم وبصيرا بعد العمي، وقويا بعد الضعف، وعالما بعد الجهل، ومهديا بعد الضلال، وقادرا بعد العجز، وغنيا بعد الفقر ؟ فكان في ذاته لا شيء وأي شيء أخس من لا شيء ؟ وأي قلة أقل من العدم المحض ؟ ثم صار بالله شيئا. وإنما خلقه من التراب الذليل الذي يوطأ بالأقدام والنطفة القذرة بعد العدم المحض أيضا ليعرف خسة ذاته فيعرف به نفسه، وإنما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه ويعلم بها عظمته وجلاله، وأنه لا يليق الكبرياء إلا به جل وعلا، ولذلك امتن عليه فقال : ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين (٤) وعرف خسته أولا فقال : ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة ثم ذكر منته عليه فقال : فخلقه فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (٥) ليدوم وجوده بالتناسل كما حصل وجوده أولا بالاختراع.
فمن كان بدؤه وهذه أحواله فمن أين له البطر والكبرياء والفخر والخيلاء ؟ وهو على التحقيق أخس الأخساء وأضعف الضعفاء، ولكن هذه عادة الخسيس إذا رفع من خسته شمخ بأنفه وتعظم، وذلك لدلالة خسة أوله- ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نعم لو أكمله وفوض إليه أمره، وأدام له الوجود باختياره لجاز أن يطغى وينسى المبدأ والمنتهى، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة والآفات المختلفة والطباع المتضادة، من المرة والبلغم والريح والدم يهدم البعض من أجزائه البعض، شاء أم أبى، رضي أم سخط، فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرا، يريد أن يعلم الشيء فيجهله، ويريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمه فيحول في أودية الوساوس والأفكار بالاضطرار، فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه، ويشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه، ويكره الشيء وربما تكون حياته فيه، يستلذ الأطعمة وتهلكه وترديه، ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه، ولا يأمن في لحظة من ليله أو نهاره أن يسلب سمعه وبصره، وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله ويختطف روحه ويسلب جميع ما يهواه في دنياه، فهو مضطر ذليل إن ترك بقي وإن اختطف فني، عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا شيء من غيره، فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه ؟ وأنى يليق الكبر به لولا جهله ؟
فهذا أوسط أحواله فليتأمله.

١ - الإنسان: ٢-٣..
٢ - يس: ٧٧..
٣ - الروم: ٢٠..
٤ - البلد: ٨-١٠..
٥ - القيامة: ٣٧-٣٨..

جهود الإمام الغزالي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير