١٩ - ثم أخبر عنه فقال: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا (١)، قال أبو إسحاق: الرفع (٢) في "يوم" على الصفة لقوله: يَوْمُ الدِّينِ -قال- ويجوز أن يكون رفعًا بإضمار "هو" فيكون المعنى: هو يوم الدين يوم لا تملك، -قال- ويجوز أن يكون في موضع رفع، وهو مبني على الفتح لإضافته إلى قوله: "يوم لا تملك" ومَا أضيف إلى غير المتمكن (٣) قد يبنى على الفتح، وإن كان في موضع رفع أو جر كما قال:
| لم يَمْنَع الشُّرْبَ مِنَهم غَيْرَ أن نَطقَتَ | حَمَامَةٌ في غصُون ذاتِ أوْ قَالِ (٤) |
(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: "يومُ لا تملك" بضم الميم، ووافقهم ابن محيصن واليزيدي، وقرأ الباقون: "يومَ لا تملك" بفتح الميم.
انظر: "الحجة" ٦/ ٣٨٣، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" ٢/ ٣٦٤، "تحبير التيسير" ١٩٨، "إتحاف فضلاء البشر" ٤٣٥.
(٣) الغير المتمكن هو المبني وهو خلاف المعرب وهو وصف للكلمة التي تلازم حالة واحدة ولا يتغير آخرها بتغير العامل السابق لها، "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" ٢٧.
(٤) ورد البيت في: ديوان أبي قيس صيفي بن الأسلت الاوسي الجاهلي: ٨٥: تح: د. حسن جودة، و"الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين" ١/ ٢٨٧، واستشهد به سيبوبه في "كتابه": ٢/ ٣٢٩ وعزاه إلى الكناني، وقد شرحه البغدادي في "الخزانة" ٢/ ٤٥ وج ٣/ ١٤٤ - ١٥٢، ونسبه: لأبي قيس الأسلت، واستشهد به ابن هشام في "مغني اللبيب" ١/ ٢٦٨: ش ٢٦٠، و"الأمالي" لابن الشجري: ٤٦/ ١ وج ٢/ ٢٦٤، "شرح المفصل" لابن يعيش: ٣/ ٨٠ وج: ٨/ ١٣٥، "الهمع" ٣/ ٣٣٣: ش ٨٧٠، "الأصول في النحو" السراج: ١/ ٢٩٨ وانظر أيضًا: "لسان العرب" ١١/ ٧٣٤: (وقل)، "كتاب شرح أبيات سيبويه للنحاس": ١٤٧: ش ٥١٧، "التفسير الكبير" ٣١/ ٨٧، وفي جميعها برواية "منها" بدلًا من "منهم".
فبنى (١) ("غير" على) (٢) الفتح لما أضيف (٣) إلى قوله نطقت -قال- وجائز أن يكون نصبه على معنى هذه الأشياء المذكورة فيكون (٤) يوم لا تملك نفس لنفس شيئا (٥).
وذكر أبو علي وجهًا آخر للنصب وهو: أن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفًا ترك على مَا كان يكون عليه في أكثر أمره، والدليل على ذلك: ما اجتمع عليه القراء، والعرب في قولهم: مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ [الأعراف: ١٦٨]، وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ [الجن: ١١]، ولا يرفع ذلك أحد، ومما يقوى النصب قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ [القارعة: ٣ - ٤] وقوله: يَسْأَلُونَ (٦) أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ (٧) هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٢ - ١٣]، فالنصب في يَوْمَ لَا تَمْلِكُ مثل هذا.
والشاهد في قوله غير أن نطقت فإن الرواية فيه بفتح غير مع أنها فاعل لقوله لم يمنع فدل ذلك على أنه بناها على الفتح. انظر: كتاب "الإنصاف" ١/ ٢٨٨ - حاشية-.
(١) في (أ): فبنا.
(٢) على غير: هكذا وردت في النسختين ولا تستقيم العبارة بذلك، فأثبت الترتيب الصحيح الذي به يفهم الكلام.
(٣) في (ع): أضاف.
(٤) في (ع): يكون
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٣٩٦.
(٦) في (أ): يسئل.
(٧) في (ع): يومهم.
قال أبو الحسن (١): ولو رفع ذلك كله كان جيدًا (٢)
والذي ذكر أبو إسحاق من البناء على الفتح إنما يجوز أن يكون ذلك عند الخليل، وسيبويه، إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي نحو:
على حين عاتبت (٣)
ومع الفعل المستقبل لا يجوز البناء عندهم ويجوز ذلك في قول الكوفيين (٤) -وقد ذكرنا هذه المسألة (٥) عند قوله: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ
(٢) من قوله: إن اليوم لما جرى إلى كله كان جيدًا: من قول أبي علي، انظر: "الحجة" ٦/ ٣٨٣ - ٣٨٤ بيسير من التصرف.
(٣) البيت للنابغة الذبياني، والبيت كاملاً:
| على حين عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا | وقلت ألَمَّا أصْحُّ والشيبُ وازعُ |
"ديوانه": ٧٩ ط. بيروت، "الأمالي" لأبي على القالي ١/ ٢٦، ج ٢/ ١٣٢ و٢٦٤، "شرح المفصل" ٣/ ١٦، ٨١ ج ٤/ ٨١، ج ٨/ ١٣٦، "الإنصاف في مسائل الخلاف" ١/ ٢٩٢، "مغني اللبيب" ١/ ٢٠٥ ش ٧٦٢، كتاب شرح أبيات سيبويه: ١٤٧، "جامع البيان" ٣٠/ ٩٠، "شرح أبيات معاني القرآن" ٢١٢/ ش ٤٧٧.
موضع الشاهد: أنه فتح "حِيْنَ" وبناها على الفتح، وهي في موضع جر، لأنه أضافها إلى شيء غير متمكن، وهو الفعل الماضي: عاتبت.
المعنى: يريد أنه عرف الديار التي قد حل بها، وتذكر من كان يهواه، فبكى وعاوده وجده، فخاطب نفسه، فقال: ألمَّا تصْح! يوُبخ قلبه، أي: قد آن أن تصحو ويزول عنك ما كنت تجده بمن كنت تهواه، والشيب كاف عن أمثال هذا الفعل الذي تفعله. "شرح أبيات معاني القرآن" ٢١٣ وانظر الكلام في هذه المسألة: "كتاب سيبويه": ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠.
(٤) انظر: "الإنصاف في مسائل الخلاف" ١/ ٢٨٧.
(٥) بياض في (ع).
الصَّادِقِينَ} (١)، قال مقاتل: يعني لا تقدر نفس لنفس، يعني للكفار شيئا من المنفعة (٢).
قوله تعالى (٣): وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، قال: يقول: لا يملك الأمر غيره وحده، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا (٤) أو يصنع شيئًا إلا الله رب العالمين (٥).
والمعنى: أن الله تعالى لم يُمَلِّك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.
(٢) "تفسير مقاتل" ٢٣١/ أ، "معالم التنزيل" ٤/ ٤٥٧، "زاد المسير" ٨/ ١٩٨، "البحر المحيط" ٨/ ٤٣٧، قال ابن الجوزي: قال المفسرون: ومعنى الآية أنه لا يملك الأمر أحد إلا الله ولم يملك أحدًا من الخلق شيئًا كما ملكهم في الدنيا، وكان مقاتل يقول وساق قوله والقول على الإطلاق أصح؛ لأن مقاتلًا -فيما أحسب- خاف نفي شفاعة المؤمنيين، والشفاعة إنما تكون عن أمر الله وتمليكه، "زاد المسير" ٨/ ١٩٨.
(٣) ساقط من: ع.
(٤) بياض في (ع).
(٥) "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٥٤، "جامع البيان" ٣٠/ ٩٨، "الدر المنثور" ٨/ ٤٤٠ وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي