المعنى الجملي : بعد أن ذكر أن من دلائل نعمه على الإنسان خلقه على أحسن صورة. وأن ذلك يدل على أن له حياة أخرى غير هذه الحياة : فيها يجازى بما عمل من خير أو شر- أعقب هذا بيان أنه لا شيء يمنعه عن التصديق بهذا اليوم إلا العناد، والتكذيب، فالشعور النفسي يوحي به، والدليل النقلي الذي أتى به الرسول بصدقه، والله لم يترك عملا لعباده إلا أحصاه وحفظه، لوفي كل عامل أجره، فقد وكل الكرام الكاتبين المطهرين عن الغرض والنسيان بكتابته وضبطه.
ثم ذكر أن الناس في هذا اليوم فريقان، بررة مطيعون لربهم فيما به أمر وعنه نهي، وهؤلاء يتقلبون في النعيم، وفجرة يتركون أوامر الدين، وأولئك يكونون في دار العذاب والهوان يقاسون حر النار، وأنه في هذا اليوم لا يجد المرء ما يعول عليه سوى ما قدمت يداه، فيجفوه الأولياء، ويخذله الشفعاء، ويتبرأ منه الأقرباء فلا شفيع ولا نصير، ولا وزير ولا مشير، والحكم لله وحده، وهو المهيمن على عباده، وبيده تصريف أمورهم، وهو الصادق في وعده، العدل الحكيم في وعيده، فلا مهرب لعامل مما أعد له من الجزاء على عمله.
ثم بين حقيقة أمره فقال :
يوم لا تملك نفس لنفس شيئا أي يوم لا تستطيع دفعا عنها ولا نفعا لها بوجه ولا أمر إلا لله وحده. فكل امرئ مشغول بما هو فيه، كما قال : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا [ البقرة : ٤٨ ] وقال : يوم يفر المرء من أخيه ( ٣٤ ) وأمه وأبيه ( ٣٥ ) وصاحبته وبنيه ( ٣٦ ) لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه [ عبس : ٣٤-٣٧ ].
ثم أكد ما سبق بقوله :
والأمر يومئذ لله وحده، فلا أحد يحمي أحدا، ولا يغني أحد عن أحد شيئا. وقد استأثر الله بالأمر كله، فبيده تصريفه، وإليه المرجع والمآب.
ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.
تفسير المراغي
المراغي