ﯡﯢﯣ

إن الذين فتنوا١ المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق( ١٠ ) إن الذي آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير( ١١ ) إن بطش ربك لشديد( ١٢ ) إنه هو يبدئ ويعيد( ١٣ ) وهو الغفور الودود( ١٤ ) ذو العرش المجيد( ١٥ ) فعال لما يريد( ١٦ ) [ ١٠-١٦ ].
يصرف المفسرون بدون سند وثيق ضمير الفاعل في الآية الأولى من هذه الآيات إلى أصحاب الأخدود ويقولون : إن الوعيد فيها لهم وإن عذاب الحريق هو مقابلة عينية لما فعلوه من حرق المؤمنين في نار الأخدود. وهذا عجيب وغير صواب فيما يتبادر لنا. وجملة ثم لم يتوبوا دليل على ذلك ؛ لأن أصحاب الأخدود ماتوا وانقضى أمرهم ولم يعد لفتح باب التوبة لهم محل. والمعقول الذي تدل عليه هذه الجملة أن يكون الوعيد لجماعة كانوا يفتنون المؤمنين والمؤمنات وقت نزولها. ولقد كان ذلك أمراً واقعاً ؛ حيث كان بعض الزعماء المشركين في مكة يضطهدون ضعفاء المؤمنين والمؤمنات ويؤذونهم ليرغموهم على الافتتان أي الارتداد عن الإسلام. وهكذا تكون الآيات الأولى من السورة بمثابة مقدمة بين يدي هذا الوعيد يحتوي وعيدا مماثلا للمشركين الذين كانوا يفعلون بالمؤمنين بالرسالة النبوية شيئا مما فعله أصحاب الأخدود بالمؤمنين السابقين. وتكون الصلة قائمة واضحة بين المجموعتين. وهو ما جرى عليه النظم القرآني في سياق قصص الأمم السابقة وما كان من نكال الله الدنيوي فيهم جزاء كفرهم ومواقفهم العدائية والعدوانية من أنبيائهم مما مر منه بعض الأمثلة.
وقد احتوت الآيات بالإضافة إلى الوعيد لفاتني المؤمنين والمؤمنات، إذا لم يتوبوا بشرى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات وتثبيت لهم وتنويه بقوة بطش الله الذي خلق الخلق بدءا والقادر على خلقه إعادة، الفعال لما يريد. وتنويه في الوقت نفسه بسعة رحمة الله وغفرانه ومودته للصالحين من عباده. وفي التنويه بالبطش والغفران والمودة وفي الإنذار والتبشير تساوق تام إزاء موقف المؤمنين ومضطهديهم وما يطلب من كل منهم كما هو المتبادر.
وذكر العرش هنا يأتي للمرة الثانية، ولقد علقنا على هذا الموضوع في سياق سورة التكوير بما يغني عن التكرار إلا أن نقول إن الأسلوب الذي جاء به هنا أيضا يؤيد ما نبهنا عليه في ذلك التعليق من الحكمة المنطوية في ذكر العرش وهو قصد بيان عظمة شأن الله تعالى.
تعليق على محنة فتنة المؤمنين الأولين
وفتنة المؤمنين في العهد المكي ذكرت في غير هذه السورة أيضا. وذكرها في هذه السورة المبكرة في النزول يدل على أنها قد بدأت منذ عهد مبكر من الدعوة، ولقد رويت روايات عديدة في سياقها كما وردت أيضا آيات في القرآن تشير إلى بعض نتائجها. ويستفاد من هذه وتلك : أن الأرقاء والمستضعفين من المسلمين الأولين هم الذين تعرضوا لها في الدرجة الأولى، وأنها كانت مع ذلك تشمل المؤمنين من الأسر القرشية البارزة، وأنه كان من صورها أن يعرى المسلمون ويطرحون فوق الرمال والصخور الشديدة الوهج من حرارة الشمس، وتوضع على أجسادهم الصخور الثقيلة، ويمنع عنهم الماء والطعام ساعات طويلة أو أياما عديدة، وكانت تقيد أيديهم وأرجلهم بقيود الحديد ويجلدون شديد الجلد، وأنه قد زهقت بسبب العذاب أرواح فضرب أصحابها الشهداء مثلا خالدا على التمسك بالعقيدة وتحمل أنواع الأذى والتضحية بالنفس في سبيلها١ والراجح أن آيات سورة البروج هذه تشير إلى هذه المرحلة.
وفي سورة النحل آيتان قد تدلان على أن بعض المؤمنين أرغموا على الافتتان والتبرؤ من الإسلام، فمنهم من ظل كافرا، ومنهم من عاد إلى الإسلام حينما سنحت له الفرصة وفر من مكة وهما هاتان :

١-
من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم١٠٦ .

٢-
ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم١١٠ .
وقد روى المفسرون٢ أن الاستثناء في الآية الأولى كان لعمار بن ياسر رضي الله عنه الذي أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وأنه قد جاء يبكي للنبي صلى الله عليه وسلم ويقول له إني نلتك بالشر فقال له مشجعا مطمئنا ( إن عادوا لك فعد لهم ).
وقد كان بعض أغنياء المسلمين، وبخاصة أبا بكر رضي الله عنه يشترون بعض الأرقاء المضطهدين من مالكيهم وينقذونهم من المحنة. وقد استمرت المحنة طيلة العهد المكي ثم إلى الفتح المكي في السنة الهجرية الثامنة بالنسبة لمن اضطر إلى البقاء في مكة ومنع الهجرة إلى المدينة. وكانت من أهم الحركات التي سببت للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين هما عظيما. وكان من نتائجها أن هاجر معظم المسلمين رجالا ونساء إلى الحبشة. وآيات سورة النحل هذه : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون٤١ الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون٤٢ تشير إلى ذلك.
ولقد كاد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه يهاجر نتيجة لذلك على ما تفيده آية سورة الإسراء هذه : وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا٧٦ ثم كانت من أسباب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة. وآية سورة الأنفال هذه : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين٣٠ وما جاء في آية الحج [ ٤٠ ] من هذه الجملة : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله وآية سورة آل عمران هذه : فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب١٩٥ تشير إلى ذلك. وقد وصفها القرآن بأنها أشد من القتل وأكبر، واعتبر الكفار بسببها البادئين بالحرب المستحقين للانتقام، وأوجب الاستمرار في قتالهم إلى أن ينتهوا عنها على ما جاء في آية سورة الحج هذه. أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير٣٩ وآيات سورة البقرة هذه : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين١٩٠ واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين١٩١ فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم١٩٢ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين١٩٣ وفي كل هذا ينطوي ما كان لهذه المحنة من أثر عظيم وشديد في أحداث وسير السيرة النبوية، ثم ما كان من تحمل النبي صلى الله عليه وسلم والرعيل الأول من المؤمنين رضوان الله عليهم شدة هذه المحنة بقلوب عامرة بالإيمان مستغرقة في الله ودينه، وعظم كفاحهم وثباتهم في سبيل إعلاء دين الله أمام تألب السواد الأعظم من أهل مكة وقبائلها بقيادة الزعماء الأقوياء والأغنياء إلى أن حق الحق وزهق الباطل، وانتصر دين الله وصارت كلمته هي العليا.
تعليق على موقف المرأة المسلمة في هذه المحنة
ولقد كان الرعيل الأول من المؤمنين من الرجال والنساء على السواء، وكما تعرض الرجال للمحنة وصبروا عليها وكافحوا وثبتوا فقد تعرض النساء لها وصبرن وكافحن، على ما تفيده آيات سورة البروج التي نحن في صددها أولا، وآية سورة آل عمران [ ١٩٥ ] التي أوردنا نصها آنفا ثانيا. وقد ذكرت الروايات أن أم عمار بن ياسر رضي الله عنهما ماتت تحت العذاب مع أبيه وفضّلا الموت على النطق بكلمة الكفر. كما ذكرت أن المهاجرين إلى الحبشة ثم إلى المدينة كانوا من الرجال والنساء على السواء. ومن اللاتي هاجرن إلى الحبشة بنات زعماء كبار من قريش أسلمن مع أزواجهن وهاجرن معهم إلى الحبشة تمسكا بدينهن رغم قوة أبائهن، مثل أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وسهلة بنت سهيل بن عمرو، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي وفاطمة بنت صفوان بن أمية، وكان عدد النساء المهاجرات إلى الحبشة سبع عشرة.
ولقد سجل القرآن حادثا عظيما من هذا الباب ؛ حيث كان من نساء الرعيل الأول من أجبر على التخلف عن الهجرة إلى المدينة، فما إن سنحت لهن الفرصة حتى غامرن وخرجن والتحقن برسول الله صلى الله عليه وسلم تاركات أزواجهن وأهلهن الكفار مما انطوى خبره في آية سورة الممتحنة هذه٣ : يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم١٠ .
وهكذا سجلت المرأة العربية المسلمة شخصيتها وقوة إيمانها ووعيها وكفاحها وثباتها وجرأتها ومخاطرتها منذ بدء الدعوة الإسلامية، وفي دور الأذى والمحنة العصيب أسوة بالرجل مما يثير الإعجاب والإجلال.
تعليق على موضوع التوبة
وبمناسبة ورود جملة لم يتوبوا [ ١٠ ] في الآية الأولى نذكر أن القرآن فتح باب التوبة لكل فئة من الناس ومهما كانت أفعالهم وسواء منهم الكفار أم المنافقون أو مقترفو المنكرات من المسلمين وحضهم عليها بمختلف الأساليب، وفي مختلف السور المكية والمدنية، وفي مختلف أدوار التنزيل من عهد مبكر في مكة إلى عهد متأخر في المدينة كما جاء في الآية التي نحن في صددها وكما جاء في آيات كثيرة أخرى منها الأمثلة التالية :

١-
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين٢٧٨ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون البقرة [ ٢٧٨-٢٧٩ ].

٢-
كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين٨٦ أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين٨٧ خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون٨٨ إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم آل عمران [ ٨٦-٨٩ ].

٣-
والذين يأتيانها منكم فأذوهما فإن تاب وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما١٦ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما١٧ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما النساء [ ١٦-١٨ ].

٤-
ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما النساء [ ١١٠ ].

٥-
إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا١٤٥ إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما١٤٦ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما النساء [ ١٤٥-١٤٧ ].

٦-
{ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير