ﭢﭣ

وشاهدٍ ومشهودٍ أي : وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه، والمراد بالشاهد : مَن يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه : ما في ذلك اليوم من عجائبه وأهواله، إذا أُريد بالشهود : الحضور، وإذا أريد الشهادة، فيُقَدّر المعمول، أي : مشهود عليه أو مشهود به. وقد اضطربت الأقوال في الشاهد والمشهود، فقيل : الشاهد : أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود : سائر الأمم ؛ لأنه يشهدون عليهم كما تقدّم وقيل : الشاهد : عيسى عليه السلام، والمشهود : أمته، لقوله : وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ [ المائدة : ١١٧ ]، وقيل : الشاهد : جميع الأنبياء، والمشهود : أممهم، وقيل : الشاهد : الملائكة الحفظة، والمشهود : الناس، لأنهم يشهدون عليهم يوم القيامة. وقيل : الشاهد : الجوارح، والمشهود عليهم : أصحابها وقيل : الشاهد : الله والملائكة وأولو العلم، والمشهود به : الوحدانية، لقوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ [ آل عمران : ١٨ ] الخ. وقيل : الشاهد : جميع المخلوقات، والمشهود به : وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة. . . وغير ذلك.
وقيل : الشاهد : النجم، للحديث :" لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد " (١) أي : النجم والمشهود : الليل، لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول الليل. وقيل : الشاهد : الحجر الأسود، والمشهود : الناس يحجون، لأنه يشهد عليهم يوم القيامة لمَن قَبّله أو لمسه. وقيل : الشاهد : يوم الجمعة، والمشهود : يوم عرفة، لأنَّ يوم الجمعة يشهده بالأعمال، ويوم عرفة يشهده الناس، وهذا مروي عنه صلى الله عليه وسلم(٢). وقيل : الشاهد : يوم عرفة، والمشهود : يوم النحر. قاله عليّ رضي الله عنه، انظر ابن جزي. وقيل : الشاهد : الأيام والليالي، والمشهود : بنو آدم، للحديث " ما من يوم إلاَّ وينادي : أنا يوم جديد، وعلى ما يُفعل به شهيد، فاغتنمني " (٣) وكذلك تقول الليلة، وأنشدوا :

مضى أمْسُك الماضي شهيداً معدّلاً وخُلّفتَ في يوم عليك شهيدُ
فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة فَثَنهْ بإحسانٍ وأنت حميدُ
ولا تُرْج فعْل الخير يوماً إلى غدٍ لعل غداً يأتي وأنت فقيدُ
فيومُك إن أتعبتَه نفعه غدا عليك وماضي العَيْش ليس يعودُ
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : والسماء ذات البروج، أي : سماء الحقائق، صاحبة المنازل التي تنزل فيها السالك في ترقِّبه إليها، مَن أرض الشرائع، كمقام التوبة، ثم الصبر، ثم الورع، والزهد، ثم التوكُّل، ثم الرضا والتسليم، ثم المراقبة، ثم المشاهدة. واليوم الموعود يوم الفتح الأكبر، وهو وقت الخروج من شهود الكون إلى شهود المكوِّن، وشاهد هو الذي يشهد ذات الحق عياناً، ومشهود، هو عظمة الذات العلية وأسرارها وأنوارها. وقال الورتجبي : الشاهد هو والمشهود هو، يرى نفسه بنفسه، أي : لا يراه أحد بالحقيقة سواه، وأيضاً : الشاهد هو، إذا تجلّى بتجلِّي الجمال والحس، والمشهود قلوب العارفين شاهَدَها بنعت الكشف، وأيضاً : الشاهد هو قلوب المحبين، والمشهود لقاؤه، وهو شاهدهم وهو مشهودهم، هو شاهد العارف والعارف شاهده. هـ. قُتل أصحابُ الأخدود، وهم الصادُّون عن طريق الحق أينما كانوا وكيف كانوا، المعذِّبون لأهل التوجه، وما نقموا منهم إلاّ طلب كمال الإيمان، وتحقيق الإيقان. إنّ الذين فتنوا أهل التوجه ثم لم يتوبوا فلهم عذاب البُعد ولهم عذاب الاحتراق بالحرص والتعب والخوف والجزع.

١ أخرجه مسلم في المسافرين حديث ٢٩٢..
٢ لفظ الحديث: "اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة.." أخرجه الترمذي في تفسير سورة ٨٥، حديث ٣٣٣٩..
٣ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ٢/٣٠٣، والمتقي الهندي في كنز العمال ٤٣١٦١..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير