( ٣ ) وشاهد ومشهود : في حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشاهد هو يوم الجمعة والمشهود هو يوم عرفة. واليوم الموعود هو يوم القيامة. ومع ذلك فقد روي عن بعض التابعين أن المشهود هو يوم القيامة والشاهد هو ابن آدم أو أن المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الأضحى. ومما قاله الطبري : الصواب أن يقال : إن الله أقسم بشاهد شهد ومشهود شوهد، وما ذكر من بيان هو ما ظنه العلماء أنه المعنى المقصود.
بسم الله الرحمان الرحيم
والسماء ذات البروج( ١ )١ واليوم الموعود٢ ( ٢ ) وشاهد ومشهود٣ ( ٣ ) قتل أصحاب الأخدود٤ ( ٤ ) النار ذات الوقود( ٥ ) إذ هم عليها قعود( ٦ ) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود( ٧ ) وما نقموا منهم٥ إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد( ٨ ) الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد( ٩ ) [ ١-٩ ].
في الآيات قسم رباني بالأقسام الثلاثة بأن لعنة الله قد حقت على الذين حفروا الأخدود، وأججوا فيه النيران، وألقوا فيه المؤمنين وهم جالسون يشهدون عذابهم دون أن تأخذهم الشفقة عليهم. ولم يكن لهم ذنب يغضبهم عليهم إلا أنهم آمنوا بالله وحده.
والمتبادر أن الأقسام الثلاثة في بدء السورة مما كان يعرف السامعون خطورته ومداه مهما اختلف المؤولون فيه. وبهذا فقط تبدو الحكمة في ذلك، والله أعلم.
ولقد رويت روايات مختلفة في صدد الحادث الذي ذكر في الآيات منها حديث نبوي٢ عن ساحر كان يعلم أحد الأولاد السحر، فمر الولد براهب فأسلم على يديه وصار يبرئ الأكمه والأبرص باسم الله، ثم أسلم الساحر على يد الولد وعلم الملك بالأمر فعذب الراهب والساحر والولد ثم قتلهم، وظهرت للولد كرامات فآمن الناس بالإله الذي يؤمن به، فأمر الملك بحفر أخدود وتأجيج النار فيه وإلقاء من لم يرتد عن دين الولد فيه. ومنها٣ أن ذا نواس ملك حمير الذي اعتنق اليهودية طلب من نصارى نجران أن يتركوا دينهم ويتهودوا فأبوا، فخدّ الأخدود وأجج فيه النار وألقي فيها كل من ثبت على نصرانيته حتى بلغ من حرقهم ١٢ ألفا في رواية، وعشرين ألفا في رواية ؛ وأن هذا العمل حفز الأحباش النصارى على غزو اليمن وتقويض حكم ذي نواس والديانة اليهودية، وتهود ذي نواس وبعض أهل اليمن واضطهاده النصارى وغزو الأحباش لليمن بسبب ذلك وقائع تاريخية ثابتة٤ يمكن أن يستأنس بها في ترجيح هذه الرواية وقد ذكرنا ذلك في سياق تفسير سورة الفيل.
ومهما يكن من أمر فإن روح الآيات واكتفاءها بالإشارة الخاطفة إلى أصحاب الأخدود يدلان على أن سامعي القرآن كانوا يعرفون حادث التحريق في الأخدود وأسبابه، فاقتضت حكمة التنزيل التذكير به في صدد الحملة على مقترفي إثم يماثل إثم أصحاب الأخدود.
وأسلوب الآيات أسلوب تقريعي لهذا العمل الوحشي الظالم غضبا على أناس آمنوا بالله وتمسكوا بإيمانهم. وفيه تلقين قرآني عام مستمر المدى كما هو المتبادر.
التفسير الحديث
دروزة