الإنسان يومئذ، بقوله: فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ. والآية دليل على أنه لا قوة للعبد ذلك اليوم، لا من نفسه ولا من غيره، ولا شك في أن نفي القوة زجر وتحذير، ويتجه أولا إلى أصحاب القوة والنفوذ في الدنيا الذين يعتمدون على الأعوان والأنصار، وهناك يوم القيامة يفقدون كل شيء.
القسم على صدق القرآن والرسالة وتهديد الكائدين لهما
[سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١١ الى ١٧]
وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥)
وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)
الإعراب:
رُوَيْداً مصدر مؤكد لمعنى العامل، مصغر رود أو إرواد على الترخيم.
البلاغة:
السَّماءِ والْأَرْضِ بينهما طباق، وكذا بين (الفصل.. والهزل).
وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ، وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ سجع رصين يزيد في جمال الأسلوب، ومثله إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَما هُوَ بِالْهَزْلِ.
يَكِيدُونَ كَيْداً جناس اشتقاق.
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ، أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً إطناب بتكرار الفعل مرة أخرى، مبالغة في الوعيد.
المفردات اللغوية:
ذاتِ الرَّجْعِ الرجع: إعادة الشيء إلى ما كان فيه أولا، والمراد به هنا المطر لأنه يعود إلى الأرض من السماء. ذاتِ الصَّدْعِ الشّق عن النبات والعيون وغيرهما من كنوز الأرض.
إِنَّهُ القرآن. لَقَوْلٌ فَصْلٌ يفصل بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام. وَما هُوَ بِالْهَزْلِ باللعب والباطل، فإنه جدّ كلّه.
إِنَّهُمْ الكفار من أهل مكة وأمثالهم. يَكِيدُونَ كَيْداً يدبرون ويعملون المكايد
لإطفاء نور الإسلام، وإبطال أمر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم. وَأَكِيدُ كَيْداً أقابلهم بما يعلي أمره، وأدبّر أمرا خفيا لهم، وأستدرجهم للانتقام منهم بحيث لا يحتسبون ولا يعلمون. وليس المقصود بالكيد إذا أسند إلى اللَّه على حقيقته لأن اللَّه تعالى ليس بحاجة إليه، وإنما المراد به جزاء العمل، من قبيل المشاكلة والمشابهة للجرم المرتكب. فَمَهِّلِ أنظرهم أو أعطهم مهلة يا محمد، فلا تشتغل بالانتقام منهم، أو لا تستعجل بإهلاكهم. أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً أمهلهم إمهالا يسيرا، أو قليلا أو قريبا، وتكرار الفعل وتغيير بنيته للمبالغة في الوعيد. وقد أخذهم اللَّه تعالى ببدر، وفتح مكة، وتطهرت الجزيرة العربية من رجس الوثنية.
المناسبة:
بعد إثبات توحيد اللَّه وقدرته على خلق الإنسان أولا، وإعادته بالبعث والمعاد، أقسم اللَّه قسما آخر على صحة نزول القرآن من عند اللَّه مشتملا على القول الفصل، وصحة رسالة النبي الكريم الذي نزل عليه الوحي القرآني، ثم أردفه بوعيد المفترين على القرآن والكائدين للرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم، ووعد هذا النبي وكل داع إلى الحق بالفوز والغلبة على الأعداء.
التفسير والبيان:
وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ، وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ أي قسما آخر بالسماء ذات المطر الذي يجيء ويرجع ويتكرر من السماء، فيحيي الأرض بعد موتها، وينبت النبات، والأرض ذات الصدع: وهو ما تتصدع وتنشق عنه الأرض من النبات والثمار والشجر والمعدن والكنز والثروة النفطية والمائية، كما قال تعالى: ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا... الآية [عبس ٨٠/ ٢٦- ٣٢] قسما بالسماء والأرض، إن القرآن الكريم لقول حق لا ريب فيه، يفصل بين الحق والباطل، ولم ينزل باللعب واللهو، فهو جدّ حقّ ليس بالهزل، ولا بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، تنزيل من حكيم حميد. فقوله:
إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ جواب القسم. وسمي المطر رجعا من ترجيع الصوت وهو
إعادته، لكونه عائدا مرة بعد أخرى، ولأنه ينشأ من تبخر بحار الأرض ثم يعود إلى الأرض.
أخرج الترمذي والدارمي عن علي كرم اللَّه وجهه قال: سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يقول: «إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول اللَّه؟ قال: كتاب اللَّه تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه اللَّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه. وهو حبل اللَّه المتين، ونوره المبين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن لمّا سمعته أن قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الجن ٧٢/ ١- ٢]، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».
ثم أوعد اللَّه تعالى المكذبين بالقرآن الكائدين للمؤمنين بقوله:
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً، وَأَكِيدُ كَيْداً أي إن الكفار زعماء مكة وأمثالهم يدبرون المكائد للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم لإبطال ما جاء به من الدين الحق، وللصد عن سبيل اللَّه وعن القرآن، بالقول بأن القرآن أساطير الأولين، وبأن محمدا ساحر أو مجنون أو شاعر، ويتآمرون على قتله، كما أخبر تعالى بقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال ٨/ ٣٠].
ولكني أدبر لهم تدبيرا آخر، فأستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأجازيهم جزاء كيدهم. وقد سمى جزاء الكيد بالاستدراج والإمهال المؤدي إلى زيادة الإثم الموجبة لشدة العذاب كيدا.
ثم وعد رسوله بالنصر عليهم، وأمره بالصبر والتمهل، فقال:
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ، أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً أي أخّرهم وأنظرهم، ولا تدع بهلاكهم، ولا تستعجل به، وارض بما يدبره اللَّه لك في أمورهم.
ثم كرر ذلك المعنى للمبالغة، فقال: أمهلهم إمهالا يسيرا قليلا، أو قريبا، وسترى ما يحل بهم من العذاب والنكال، والعقوبة والهلاك، كما قال تعالى:
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ [لقمان ٣١/ ٢٤].
وهذا وعيد شديد، تحقق يوم بدر، ويعقبه عذاب يوم القيامة، وفيه تحذير عن مثل سيرتهم، وترغيب في خلاف طريقتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- أقسم اللَّه تعالى بالسماء (السحاب) ذات الأمطار النافعة، والأرض ذات الشقوق والصدوع التي تتصدع عن النبات والشجر والثمار والأنهار على أن القرآن يفصل بين الحق والباطل، وأنه جدّ حق ليس بالهزل، أي اللعب والباطل، وأنه منزل من عند اللَّه تعالى، وأن محمدا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم.
٢- أخبر اللَّه تعالى أن أعداء اللَّه يمكرون بمحمد صلّى اللَّه عليه وسلّم وأصحابه مكرا، ويدبرون لهم مكائد إما بالقتل، أو بتوجيه التهم كالطعن بكون محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم ساحرا وشاعرا ومجنونا، أو بوصف القرآن بأنه أساطير الأولين.
٣- يجازي اللَّه أولئك الأعداء على كيدهم إما في الدنيا بالاستدراج إلى المعاصي والمنكرات من حيث لا يعلمون، وإما في الآخرة بإعداد العذاب الأليم المهين لهم. ويدفع اللَّه تعالى في الدنيا أيضا كيد الكفرة عن محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، وينصره ويعلي دينه.
والكيد في حق اللَّه تعالى محمول على هذا الجزاء المذكور، تسمية لأحد المتقابلين باسم الآخر، كقوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى ٤٢/ ٤٠] وقوله: نَسُوا اللَّهَ، فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر ٥٩/ ١٩] وقوله:
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[النساء ٤/ ١٤٢].
٤- اقتضت الحكمة الإلهية الرفق والتأني بأعداء الإسلام، فأمر اللَّه نبيه بألا يدعو عليهم، ولا يتعجل إهلاكهم، وأن يرضى بما دبره اللَّه في أمورهم، وأن ينتظر حتى يحل العقاب بهم، فإنهم في المستقبل القريب مهزومون مخذولون، ويتحقق في النهاية النصر للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وصحبه. ويظل عذاب القيامة محفوظا لهم، وكل ما هو آت قريب.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الأعلىمكيّة، وهي تسع عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الأعلى، لافتتاحها بقول اللَّه تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى أي نزّه اللَّه عز وجل عن كل نقص، وصفه بكل صفات التمجيد والتعظيم لأنه العلي الأعلى من كل شيء في الوجود. وتسمى أيضا سورة سَبِّحِ.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر صلة هذه السورة بما قبلها في أن سورة الطارق ذكرت خلق الإنسان في قوله تعالى: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ [٦] وبدء خلق النبات في قوله: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [١١- ١٢].
وهذه السورة تحدثت بما هو أعم وأشمل من خلق الإنسان وغيره: خَلَقَ فَسَوَّى [٢] وخلق النبات في قوله: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى، فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى [٤- ٥].
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة المكية الحديث عن توحيد اللَّه وقدرته، والقرآن وتيسير حفظه، والأخلاق الكريمة بتهذيب النفس الإنسانية. وقد افتتحت صفحة رقم 185
بالأمر بتنزيه اللَّه تعالى عن كل ما لا يليق به في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه، ووصفه بصفات التعظيم والتمجيد، لخلقه المخلوقات وإتقان الخلق وتناسبه، وإخراجه الأعشاب والنباتات: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى..
[الآيات ١- ٥].
ثم تحدثت عن تيسير حفظ القرآن وترسيخه في قلب النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بحيث لا ينساه أبدا، لينقله إلى الناس: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى.. [٦- ٧].
وأردفت ذلك بأمر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بالتذكير بالقرآن لإصلاح النفوس وتهذيب الطبائع: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى.. [الآيات ٨- ١٣].
وختمت السورة ببيان فلاح كل من طهر نفسه من الكفر والشرك والمعاصي، وتذكّر دائما في نفسه جلال اللَّه وعظمته، ولم يؤثر الدنيا على الآخرة، وعرف أن هذه الأصول الاعتقادية والخلقية قديمة جاءت بها جميع الشرائع الإلهية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى.. [١٤- ١٩].
فضلها:
ثبت في الصحيحين أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال لمعاذ: «هلّا صليت ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَالشَّمْسِ وَضُحاها، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى».
وأخرج الجماعة (أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وبقية أهل السنن) عن النعمان بن بشير: «أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ، وربما اجتمعا في يوم واحد، فقرأهما».
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبيّ بن كعب وعبد اللَّه بن عباس وعبد الرحمن بن أبزى وعائشة أم المؤمنين أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم كان يقرأ في الوتر
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي