المعنى الجملي : بعد أن أقسم سبحانه أنه سيعذب الكافرين جزاء كفرهم وإصرارهم على مخالفة أوامره- شرع يذكر بعض قصص الأمم السالفة ممن عاندوا الله ورسوله ولجوا في طغيانهم فأوقع بهم شديد العذاب وأخذهم أخذ العزيز الجبار، ليكون في ذلك زجر لهؤلاء المكذبين. وتثبيت للمؤمنين الذين اتبعوا الرسول وناصروه، وتطمين لقلوبهم بأن أعداءهم سيلقون ما يستحقون من الجزاء.
شرح المفردات : والمرصاد : هو المكان الذي يقوم فيه الرصد، والرصد من يرصد الأمور : أي يترقبها ليقف على ما فيها من الخير والشر، ويطلق أيضا على الحارس الذي يحرس ما يخشى عليه.
ثم ذكر العلة في تعذيبه لهم فقال :
إن ربك لبالمرصاد أي إن شأن ربك ألا يفوته من شؤون عباده نقير ولا قطمير، ولا يهمل أمة تعدت في أعمالها حدود شرائعه القويمة، بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر، كما يأخذ الراصد القائم على الطريق من يمر به بما يريد من خير أو شر، لا يفرط فيما رصد له.
وقد أجمل الله في هذه الآيات ما أوقعه بهذه الأمم من العذاب، وفصله في غير موضع من كتابه الكريم، فقال في سورة الحاقة : فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ( ٥ ) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ( ٦ ) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ( ٧ ) فهل ترى لهم من باقية ( ٨ ) وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة ( ٩ ) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية [ الحاقة : ٥-١٠ ].
والحكمة في تكرار القصص في القرآن الكريم، وفي ذكر بعضها على طريق الإشارة في بعض المواضع، وبالتفصيل في بعض آخر- أنه قد يكون الغرض تارة إقامة الحجة على قدرته تعالى، وتوحده في ملكه، وقهره لعباده حينا، وترقيق قلوب المخاطبين حينا آخر، وإنذار عباده وإعذارهم مرة ثالثة، ولا شك أن كل مقام من الكلام له لون منه من بسط أو إيجاز لا يكون لغيره.
وقد عرفت أن الغرض هنا تطييب خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأن الله سيمهل الكافرين ولا يهملهم، وهو ليس بغافل عنهم، وحينئذ تدرك أن الإشارة إلى أن هذه الأمم أخذت وعذبت ولم تترك سدى- كافية جد الكفاية لمن فكر وتدبر.
تفسير المراغي
المراغي