ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

والمقصودون بهذه الآية هم الثلاثة الذين سيخصهم القرآن بآيات خاصة يقول فيها: وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم [التوبة: ١١٨]
وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. وهم قد تخلفوا أيضاً عن غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذر في التخلف أبداً، فكل واحد يملك راحلته، وعندهم مالهم، وعندهم كل

صفحة رقم 5483

شيء، وقد قصّ واحد منهم حكايته، وبيّن لنا أنه لم يكن له عذر: «وما كنت في يوم من الأيام أقدر على المال والراحلة مني في تلك الغزوة، كنت أقول: أتجهز غداً، ويأتي الغد ولا أتجهز، حتى أنفصل الركب، فقلت ألحق بهم، ولم ألحق بهم».
هؤلاء هم الثلاثة الذين جاء فيهم القول: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله
و مُرْجَوْنَ أو «مرجَئون» والإرجاء هو التأخير. أي: أن الحكم فيهم لم يظهر بعد؛ لأن الله يريد أن يبين للناس أمراً، وخاصَّةً أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم ينشئ في الدولة الإسلامية سجناً يُعزَل فيه المجرم؛ وهذا لحكمة، فكونك تأخذ المجرم وتعزله عن المجتمع وتحبسه في مكان فهذا جائز. لكن النكال في أن تدعه طليقاً، وتسجن المجتمع عنه.
وهكذا تتجلى عظمة الإيمان؛ لذلك أصدر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمراً بأن يقاطعهم الناس، فلا يكلمهم أحد، ولا يسأل عنهم أحد، حتى اقرباؤهم ولا يختلط بهم أحد في السوق أو في المسجد.
وكان أحدهم يتعمد أن يصلي قريباً من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويختلس النظرات ليرى هل ينظر النبي له أم لا؟ ثم يذهب لبيت ابن عمه ليتسلق السور، ويقول له: أتعلم أنني أحب الله ورسوله؟ فيرد عليه: الله ورسوله أعلم. وهكذا عزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المجتمع عنهم، ولم يعزلهم عن المجتمع. وكذلك

صفحة رقم 5484

عزلهم عن زوجاتهم، وهو الأمر الذي يصعب التحكم فيه. وحذر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ زوجاتهم أن يقربوهم إلى أن يأتي الله بأمره.
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
هذا بالنسبة لنا - إما أن يعذبهم وإما أن يتوب عليهم. لكن الحق سبحانه وحده هو الذي يعلم مصير كل واحد منهم.
فالتشكيك إذن هو بالنسبة لنا؛ لأنهم مُرْجَوْن لأمر الله ولم يبت فيهم بحكم لا إلى النار ولا إلى الجنة، ولم يبَت فيهم بالعفو. أما أمرهم فهو معلوم له سبحانه إما أن يعذب وإما أن يتوب؛ لأن كل حكم من الله له ميعاد يولد فيه، ولكل ميلاد حكمة، وهناك قوم عجّل الله بالحكم فيهم، وقوم أخّر الله الحكم فيهم؛ ليصفى الموقف تصفية تربية، لهم في ذاتهم، ولمن يشهدونهم.
وقد استمرت هذه المسألة أكثر من خمسين يوماً؛ ليتأدبوا الأدب الذي يؤدبهم به المجتمع الإيماني، فلم يشأ الله أن يبين الحكم حتى يستوفي هذا التأديب.
وإذا أُدِّب هؤلاء، فإن تأديبهم سيكون على مَرْأى ومسمع من جميع الناس، فيأخذون الأسوة من هذا التأديب.
ولو أن الله عجّل بالحكم، لمرّت المسألة بغير تأديب للمعتذرين كذباً وغيرهم، فقال: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله وما دام سبحانه قد حكم هنا بأنهم مؤخَّرون لأمر الله، فليس لنا أن نتعجل قصتهم، إلى أن يأتي قول الله فيهم: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة: ١١٨]

صفحة رقم 5485

وأراد الله أن يقص لنا قصة أخرى من أحوالهم، فقال: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا

صفحة رقم 5486

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية