وآخرون من أهل المدينة من المتخلفين مرجون قرأ أهل المدينة والكوفة غير أبي بكر بغير همز والباقون مرجؤون بالهمز وهما لغتان من أرجاءه إذا أخرته لأمر الله يعني مؤخرون لأمر الله في شأنهم إما يعذبهم وإما يتوب عليهم فإن الله تعالى يعذب على الصغيرة إن شاء ويغفر الكبائر توبة إن شاء لا يجب عليه شيء فلا بد للعباد من الخوف والرجاء فأما التي هي للشك راجعة إلى العباد والله عليم بأحوالهم حكيم فيما يفعل بهم والمراد بهؤلاء كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع الذين لم يوثقوا أنفسهم بالسواري من العشرة المتخلفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموا هم فيما رأوا ذلك أخلصوا بنيانهم وفوضوا أمرهم إلى الله فرحمهم الله أخرجه الشيخان من حديث كعب بن مالك مطولا وسنذكر قصتهم والله أعلم.
روى ابن إسحاق عن أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري وكان ممن بايع تحت الشجرة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق آخر عن ابن عباس وابن المنذر عن سعيد بن جبير ومحمد بن عمر عن يزيد بن رومان أن بني عمرو بن عوف بنوا مسجدا فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي فيه فلما رأى ذلك ناس من بني غنم بن عوف حسدوهم فقالوا نبني نحن أيضا مسجدا كما بنوا مسجدا، فقال : لهم أبو عامر : الفاسق قبل خروجه إلى الشام ابنوا مسجدكم واشهدوا فيه بما استطعتم من قوة وسلاح فآتي ذاهب قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه فكانوا يرصدون قدوم أبي عامر الفاسق، وكان قد خرج من المدينة محار بالله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فلما فرغوا من مسجدهم أرادوا أن يصلي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليروح لهم فلما أرادوا من الفساد والكفر والعناد، فعصم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فأتى جماعة منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا بنينا مسجدا الذي العلة والحاجة والليلة الشاتية والليلة المطيرة وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، قال : إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا لكم فيه فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عزوة تبوك ونزل بذي أوان مكان بينه وبين المدينة ساعة أنزل الله تعالى :
والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون ( ١٠٧ ) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ( ١٠٨ ) أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ( ١٠٩ ) لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم ( ١١٠ ) .
التفسير المظهري
المظهري