هذا الدرس بجملته تصنيف للمجتمع الإسلامي في ذلك الحين - إبان غزوة تبوك - يصور طوائفه وطبقاته الإيمانية الداخلة في تركيبه العضوي العام، مع تميز كل منها بصفاته وأعماله.
ولقد فصلنا القول في الجزء العاشر عند تقديم السورة عن الأسباب التاريخية التي أنشأت هذه المستويات الإيمانية المتعددة في الجماعة المسلمة في المدينة. فنجتزىء هنا من ذلك التفصيل بالفقرات الأخيرة منه، لاستحضار الملابسات التي كانت تحيط بوجود هذه المستويات المتعددة في المجتمع الواحد :
... " لقد كانت وقفة قريش العنيدة الطويلة حاجزاً قوياً دون انسياح الإسلام في الجزيرة العربية. فقد كانت قريش هي صاحبة الكلمة العليا في الشؤون الدينية في الجزيرة - فوق ما كان لها من نفوذ إقتصادي وسياسي وأدبي كذلك - فكانت وقفتها في وجه الدين الجديد، بهذه الصورة العنيدة، مدعاة لصرف العرب في أنحاء الجزيرة عن الدخول فيه، أو على الأقل مدعاة للتردد والإنتظار حتى تنجلي المعركة بين قريش وهذا النبي من أبنائها !... فلما دانت قريش بالفتح، ودانت بعدها هوازن وثقيف في الطائف ؛ وكانت قبائل اليهود الثلاث القوية في المدينة قد خضدت شوكتها نهائياً، فأجليت بنو قينقاع وبنو النضير إلى الشام، وأبيدت بنو قريظة، واستسلمت خيبر الإستسلام الأخير.. كان ذلك إيذاناً بدخول الناس في دين اللّه أفواجاً، وانسياح الإسلام في أرجاء الجزيرة كلها في خلال عام واحد.
" غير أن هذا الاتساع الأفقي في رقعة الإسلام قد أعاد معه جميع الأعراض والظواهر التي ظهرت في المجتمع بعد إنتصار بدر - ولكن على نطاق أوسع - بعدما كاد المجتمع يبرأ منها بتأثير التربية الطويلة المدى، المستمرة التأثير، في خلال السنوات السبع بعد بدر الكبرى ! ولولا أن المجتمع المدني بجملته كان قد تحول إلى أن يكون هو القاعدة الصلبة الخالصة لهذه العقيدة، والأساس الركين لهذا المجتمع ؛ لكان هناك خطر كبير من هذا الإتساع الأفقي السريع في رقعة الإسلام في الجزيرة.. ولكن اللّه الذي كان يدبر لهذا الأمر ويرعاه، كان قد أعد العصبة المؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لتكون هي القاعدة الأمينة لهذا الدينبعد التوسع النسبي الذي جاء به انتصار بدر ! كما أنه - سبحانه - كان قد أعد المجتمع المدني بجملته ليكون هو القاعدة الأمينة بعد التوسع الشديد السريع الذي جاء به فتح مكة.. واللّه أعلم حيث يجعل رسالته..
" وأول ما ظهر من ذلك كان يوم حنين الذي جاء عنه في هذه السورة :" التوبة " :( لقد نصركم اللّه في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين. ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين )..
" وكان من الأسباب الظاهرة لهذه الهزيمة في أول الأمر أن ألفين من " الطلقاء " الذين أسلموا يوم الفتح، قد خرجوا مع الآلاف العشرة من جند المدينة الذين فتحوا مكة. فكان وجود هذين الألفين - مع عشرة الآلاف - سبباً في اختلال التوازن في الصف - بالإضافة إلى عامل المفاجأة من هوازن - ذلك أن الجيش لم يكن كله من القاعدة الصلبة الخالصة التي تمت تربيتها وتناسقها في الزمن الطويل ما بين بدر والفتح.
" كذلك كان ما ظهر في أثناء غزوة تبوك من الأعراض والظواهر المؤذية ثمرة طبيعية لهذا الإتساع الأفقي السريع ؛ ودخول تلك الأفواج الجديدة، بمستوياتها الإيمانية والتنظيمية المخلخلة.. هذه الظواهر والأعراض التي تحدثت عنها سورة التوبة، والتي اقتضت تلك الحملات الطويلة المفصلة المنوعة الأساليب، التي أشرنا إليها في المقتطفات الممثلة لكل مقاطع السورة "
والفريق الأخير هو الذي لم يبت في أمره، وقد وكل أمره إلى ربه :
( وآخرون مُرجَون لأمر اللّه، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، واللّه عليم حكيم )..
وهؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك - غير المنافقين والمعتذرين والمخطئين التائبين - وهذا القسم لم يكن حتى نزول هذه الآية قد بت في أمره بشيء.
وكان أمرهم موكولا إلى اللّه، لم يعلموه ولم يعلمه الناس بعد.. وقد روي أن هذه الآية نزلت في الثلاثة الذين خلفوا - أي أجل إعلان توبتهم والقضاء في أمرهم - وهم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال ابن أمية، الذين قعدوا عن غزوة تبوك كسلاً وميلاً إلى الدعة واسترواحاً للظلال في حر الهاجرة ! ثم كان لهم شأن مع رسول اللّه - [ ص ] - سيأتي تفصيله في موضعه من السورة في الدرس التالي.
روى ابن جرير بإسناده - عن ابن عباس - قال : لما نزلت هذه الآية.. يعني قوله :( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ).. أخذ رسول اللّه [ ص ] من أموالهم.. يعني أموال أبي لبابة وصاحبيه.. فتصدق بها عنهم، وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة، ولم يوثقوا ولم يذكروا بشيء، ولم ينزل عذرهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وهم الذين قال اللّه :( وآخرون مرجون لأمر اللّه إما يعذبهم وإما يتوب عليهم واللّه عليم حكيم ).. فجعل الناس يقولون. هلكوا ! إذ لم ينزل لهم عذر. وجعل آخرون يقولون : عسى اللّه أن يغفر لهم ! فصاروا مرجئين لأمر اللّه، حتى نزلت :( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ).. الذين خرجوا معه إلى الشام.. ( من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ).. ثم قال :( وعلى الثلاثة الذين خلفوا )- يعني المرجئين لأمر اللّه - نزلت عليهم التوبة فعموا بها، فقال :( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ).. إلى قوله :( إن اللّه هو التواب الرحيم ).. [ وكذلك روى - بإسناده - عن عكرمة وعن مجاهد، وعن الضحاك وعن قتادة. وعن ابن إسحاق ]. فهذه الرواية أرجح واللّه أعلم.
ولما كان أمرهم مرجأ، فإننا نحب أن نرجئ الحديث فيه حتى يجيء في موضعه. إن شاء اللّه تعالى.
هذا الدرس بجملته تصنيف للمجتمع الإسلامي في ذلك الحين - إبان غزوة تبوك - يصور طوائفه وطبقاته الإيمانية الداخلة في تركيبه العضوي العام، مع تميز كل منها بصفاته وأعماله.
ولقد فصلنا القول في الجزء العاشر عند تقديم السورة عن الأسباب التاريخية التي أنشأت هذه المستويات الإيمانية المتعددة في الجماعة المسلمة في المدينة. فنجتزىء هنا من ذلك التفصيل بالفقرات الأخيرة منه، لاستحضار الملابسات التي كانت تحيط بوجود هذه المستويات المتعددة في المجتمع الواحد :
... " لقد كانت وقفة قريش العنيدة الطويلة حاجزاً قوياً دون انسياح الإسلام في الجزيرة العربية. فقد كانت قريش هي صاحبة الكلمة العليا في الشؤون الدينية في الجزيرة - فوق ما كان لها من نفوذ إقتصادي وسياسي وأدبي كذلك - فكانت وقفتها في وجه الدين الجديد، بهذه الصورة العنيدة، مدعاة لصرف العرب في أنحاء الجزيرة عن الدخول فيه، أو على الأقل مدعاة للتردد والإنتظار حتى تنجلي المعركة بين قريش وهذا النبي من أبنائها !... فلما دانت قريش بالفتح، ودانت بعدها هوازن وثقيف في الطائف ؛ وكانت قبائل اليهود الثلاث القوية في المدينة قد خضدت شوكتها نهائياً، فأجليت بنو قينقاع وبنو النضير إلى الشام، وأبيدت بنو قريظة، واستسلمت خيبر الإستسلام الأخير.. كان ذلك إيذاناً بدخول الناس في دين اللّه أفواجاً، وانسياح الإسلام في أرجاء الجزيرة كلها في خلال عام واحد.
" غير أن هذا الاتساع الأفقي في رقعة الإسلام قد أعاد معه جميع الأعراض والظواهر التي ظهرت في المجتمع بعد إنتصار بدر - ولكن على نطاق أوسع - بعدما كاد المجتمع يبرأ منها بتأثير التربية الطويلة المدى، المستمرة التأثير، في خلال السنوات السبع بعد بدر الكبرى ! ولولا أن المجتمع المدني بجملته كان قد تحول إلى أن يكون هو القاعدة الصلبة الخالصة لهذه العقيدة، والأساس الركين لهذا المجتمع ؛ لكان هناك خطر كبير من هذا الإتساع الأفقي السريع في رقعة الإسلام في الجزيرة.. ولكن اللّه الذي كان يدبر لهذا الأمر ويرعاه، كان قد أعد العصبة المؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لتكون هي القاعدة الأمينة لهذا الدينبعد التوسع النسبي الذي جاء به انتصار بدر ! كما أنه - سبحانه - كان قد أعد المجتمع المدني بجملته ليكون هو القاعدة الأمينة بعد التوسع الشديد السريع الذي جاء به فتح مكة.. واللّه أعلم حيث يجعل رسالته..
" وأول ما ظهر من ذلك كان يوم حنين الذي جاء عنه في هذه السورة :" التوبة " :( لقد نصركم اللّه في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين. ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين )..
" وكان من الأسباب الظاهرة لهذه الهزيمة في أول الأمر أن ألفين من " الطلقاء " الذين أسلموا يوم الفتح، قد خرجوا مع الآلاف العشرة من جند المدينة الذين فتحوا مكة. فكان وجود هذين الألفين - مع عشرة الآلاف - سبباً في اختلال التوازن في الصف - بالإضافة إلى عامل المفاجأة من هوازن - ذلك أن الجيش لم يكن كله من القاعدة الصلبة الخالصة التي تمت تربيتها وتناسقها في الزمن الطويل ما بين بدر والفتح.
" كذلك كان ما ظهر في أثناء غزوة تبوك من الأعراض والظواهر المؤذية ثمرة طبيعية لهذا الإتساع الأفقي السريع ؛ ودخول تلك الأفواج الجديدة، بمستوياتها الإيمانية والتنظيمية المخلخلة.. هذه الظواهر والأعراض التي تحدثت عنها سورة التوبة، والتي اقتضت تلك الحملات الطويلة المفصلة المنوعة الأساليب، التي أشرنا إليها في المقتطفات الممثلة لكل مقاطع السورة "
والفريق الأخير هو الذي لم يبت في أمره، وقد وكل أمره إلى ربه :
( وآخرون مُرجَون لأمر اللّه، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، واللّه عليم حكيم )..
وهؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك - غير المنافقين والمعتذرين والمخطئين التائبين - وهذا القسم لم يكن حتى نزول هذه الآية قد بت في أمره بشيء.
وكان أمرهم موكولا إلى اللّه، لم يعلموه ولم يعلمه الناس بعد.. وقد روي أن هذه الآية نزلت في الثلاثة الذين خلفوا - أي أجل إعلان توبتهم والقضاء في أمرهم - وهم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال ابن أمية، الذين قعدوا عن غزوة تبوك كسلاً وميلاً إلى الدعة واسترواحاً للظلال في حر الهاجرة ! ثم كان لهم شأن مع رسول اللّه - [ ص ] - سيأتي تفصيله في موضعه من السورة في الدرس التالي.
روى ابن جرير بإسناده - عن ابن عباس - قال : لما نزلت هذه الآية.. يعني قوله :( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ).. أخذ رسول اللّه [ ص ] من أموالهم.. يعني أموال أبي لبابة وصاحبيه.. فتصدق بها عنهم، وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة، ولم يوثقوا ولم يذكروا بشيء، ولم ينزل عذرهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وهم الذين قال اللّه :( وآخرون مرجون لأمر اللّه إما يعذبهم وإما يتوب عليهم واللّه عليم حكيم ).. فجعل الناس يقولون. هلكوا ! إذ لم ينزل لهم عذر. وجعل آخرون يقولون : عسى اللّه أن يغفر لهم ! فصاروا مرجئين لأمر اللّه، حتى نزلت :( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ).. الذين خرجوا معه إلى الشام.. ( من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ).. ثم قال :( وعلى الثلاثة الذين خلفوا )- يعني المرجئين لأمر اللّه - نزلت عليهم التوبة فعموا بها، فقال :( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ).. إلى قوله :( إن اللّه هو التواب الرحيم ).. [ وكذلك روى - بإسناده - عن عكرمة وعن مجاهد، وعن الضحاك وعن قتادة. وعن ابن إسحاق ]. فهذه الرواية أرجح واللّه أعلم.
ولما كان أمرهم مرجأ، فإننا نحب أن نرجئ الحديث فيه حتى يجيء في موضعه. إن شاء اللّه تعالى.