ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( التوبة : ١٠٦ ).
المعنى الجملي : كان المتخلفون عن الجهاد في غزوة تبوك أقساما ثلاثة :
المنافقون الذين مردوا على النفاق، وهم أكثر المتخلفين.
المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا وزكَّوا توبتهم بالصدقة وطلب دعاء الرسول واستغفاره فتاب الله عليهم.
المؤمنون الذين حاروا في أمرهم ولم يعتذروا للرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم لا عذر لهم، وأرجأوا توبتهم فأرجأ الله الحكم القاطع في أمرهم لأسباب ستذكر بعد.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة : هم الثلاثة الذين خُلِّفوا عن التوبة، وهم مرارة ابن الربيع، وكعب ابن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والتمتع بطيب الثمار، والتفيؤ بالظلال لا شكا ونفاقا، وكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري، كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورين فنزلت توبة الأولين قبل توبة هؤلاء وأرجئت توبة هؤلاء حتى نزلت آية التوبة لقد تاب الله على النبي والمهاجرين الخ.
تفسير المفردات :
مرجون ومرجئون وبهما قرئ : أي مؤخرون، يقال أرجأت الأمر وأرجيته : أي أخرته.
الإيضاح : وآخرون مرجون لأمر الله أي ومن المتخلفين ناس آخرون مؤخرون لحكم الله في أمرهم، وهم أولئك النفر الذين سبق ذكرهم وكانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الهمّ باللحاق به ولم يتيسر لهم ولم يكن تخلفهم عن نفاق، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لا عذر لنا إلا الخطيئة ولم يعتذروا له صلى الله عليه وسلم كما فعل أبو لبابة وأصحابه من الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد فنزل فيهم قوله تعالى.
وآخرون مرجون الآية فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن مجالسهم وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهلهن إلى أن نزل قوله : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ( التوبة : ١١٧ ) الآية.
إما يعذبهم وإما يتوب عليهم أي إن أمرهم دائر بين هذين : التعذيب والتوبة وقد أُبْهِم الأمر عليهم وعلى الناس فلا يدرون ماذا ينزل بهم ؟ هل تنفع توبتهم فيتوب الله عليهم كما تاب على الذين اعترفوا بذنوبهم، أو يحكم بعذابهم في الدنيا والآخرة كما حكم على الخالفين من المنافقين ؟.
وحكمة إبهام الأمر : إثارة الغم والحزن في قلوبهم لتصحّ توبتهم.
وحكمة إبهامه على الرسول والمؤمنين : تركهم مكالمتهم ومخالطتهم، تربية للفريقين على ما يجب أن يعامل به أمثالهم ممن يؤثرون الراحة ونعمة العيش على طاعة الله ورسوله والجهاد لإعلاء كلمة الحق ودفع عدوان أهل الباطل عن المؤمنين.
والله عليم حكيم أي والله عليم بما يصلح حال عباده ويربّيهم ويزكيهم أفرادا وجماعات، حكيم فيما يشرعه لهم من الأحكام المفيدة لهذا الصلاح إذا علموا بها :
ومن هذه الحكمة : إرجاء النص على توبتهم في كتابه، كما أن تكرار تلاوتها في مختلف الأوقات مما يوقع في قلوب المؤمنين الرهبة والخوف ويفيدهم عظة وتهذيبا.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير