حتى نزلت توبتهم.
وقوله: إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ.
ومعناه: إما يحجزهم عن التوبة، فيعذبهم، وإما يوفقهم فيتوب عليهم.
حَكِيمٌ، وقف، على قراءة من قرأ: الذين، بغير واو. وغير وقف على قراءة من قرأ: الذين اتخذوا بالواو.
قوله: والذين اتخذوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً، الآية.
من قرأ: الذين بالواو، فهو في موضع رفع، والخبر محذوف، والمعنى:
ومنهم الذين، مردود على: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ [التوبة: ١٠١].
وقيل: هو مردود على وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي، (والَّذِينَ اتَّخّذُوا مَسْجِداً).
ومن قرأ الذين اتخذوا بغير واو، فهو في موضع بالابتداء، وفي الخبر تقديران:
قال الكسائؤ الخبر: لاَ تَقُمْ فِيهِ، أي: لا تقم في مسجدهم.
وقيل الخبر: لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ، وهذا أحسن.
ضِرَاراً مصدر، وإن شئت مفعولاً من أجله.
ومعنى الآية: إنّ اثني عشر رجلاً من المنافقين كلهم ينتمون إلى الأنصار،
ويعتدون إلى بني عوف، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، بنوا مسجداً ضراراً بمسجد " قُباء "، وأتوا النبي ﷺ، قبل خروجه إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجداً لذِي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأْتينا فتصلي لنا فيه، فقال النبي ﷺ: إني على جَنَاحِ سَفَرٍ وشُغْل، ولو قد قدمنا، إن شاء الله، أتيناكم فصلينا لكم فيه. فلما نزل النبي ﷺ، راجعاً [من سفره]، بقرب المدينة، بلغه الخبر، فأرسل قوماً لهدمه، فَهُدم وأُحْرِق.
ومعنى ضِرَاراً أي: ضِرِاراً لمسجد رسول الله ﷺ، وكفراً بـ الله، لمخادعتهم النبي عليه السلام.
وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المؤمنين.
يريدون أن يتفرق جماعة المسلمين في صلواتهم.
وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن [قَبْلُ].
أي: إعداداً له، وهو أبو عام الذي كان حَزَّبَ الأحزاب لقتال رسول الله ﷺ، فلما خذله الله تعالى، لحق بالروم، يطلب النصر من ملكهم على رسول الله ﷺ، وكتب إلى أهل مسجد الضِّرار، وأمرهم ببناء المسجد الذي بنوه ليصلي فهم فيه، إذا رجع.
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى.
أي: يحلف من بناه ما أردنا بذلك إلا الخير، والرفق بالمسلمين في المطر، والتوسعة على الضعفاء، والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، في وقلهم ذلك، بل بنوه لتفريق المؤمنين.
قال ابن عباس: وجه أبو عامر إلى ناس من الأنصار أن يبنوا مسجداً، ويستعدوا ما يستطيعون من قوة ومن سلاح، وقال لهم: إني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتى بجند من الروم، فأخرج محمداً وأصحابه.
وكان أبو عامر من الروم أصله، وكان يقول: إنه راهب، فبنوا المسجد له، ليأتي ويصلي فيه، وليكون اجتماعهم للطعن على رسول الله ﷺ، وأصحابه فيه. فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي ﷺ، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنان، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة.
فأنزل الله/ تعالى: لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ/ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ.
قال قتادة: لما دعوا رسول الله ﷺ ليصلي في مسجدهم دعا بقميصه ليأتي إليهم، فأطلعه الله على أمرهم.
قال الضحاك: بنوا مسجد الضرار بقُباء، وكذلك قال قتادة.
قال ابن عباس: لما بنى النبي عليه [السلام] مسجد قُباء، بنى [قوم] من الأنصار مسجداً للضِّرار، ليضاهوا به النبي عليه السلام والمؤمنين في مسجدهم.
قوله: مِن قَبْلُ، وقف في قراءة من قرا: الذين بغير واو إن قدرت أنَّ
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي