ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له ( أبو عامر الراهب ) وكان قد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وله شرف في الخزرج كبير، فلما « قدم رسول الله ﷺ مهاجراً إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين ( أبو عامر ) بريقه، وبارز بالعداوة وظاهر بها، وخرج فاراً إلى كفار مكة من مشركي قريش، يمالئهم على حرب رسول الله ﷺ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله عزّ وجلّ، وكانت العافية للمتقين، وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله ﷺ، وأصيب ذلك اليوم فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم ( أبو عامر ) في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا : لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبوه، فرجع وهو يقول : والله قد أصاب قومي بعدي شر، وكان رسول الله ﷺ قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله ﷺ أن يموت بعيداً طريداً، فنالته هذه الدعوة. وذلك لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول ﷺ في ارتفاع وظهور، ذهب إلى ( هرقل ) ملك الروم يستنصره على النبي ﷺ، فوعده ومنَّاة وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ﷺ ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقرير وإثباته، وذكروا أنهم بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال :» إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إلى شاء الله «، فلما قفل عليه السلام راجعاً إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم ( مسجد قباء ) الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة؛ كما قال ابن عباس في الآية : هم أناس من الأنصار بنوا مسجداً، فقال لهم أبو عامر : ابنوا مسجداً واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنود من الروم وأخرج محمداً وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا : قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فأنزل الله عزَّ وجلّ : لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً الآية ».

صفحة رقم 1084

وقوله تعالى : وَلَيَحْلِفُنَّ أي الذين بنوه، إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى أي ما أردنا بنيانه إلا خيراً ورفقاً بالناس، قال تعالى : والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أي فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه ضراراً لمسجد قباء، وكفرا بالله وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وهو أبو عامر الفاسق لعنه الله. وقوله : لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً نهي له ﷺ والأمة تبع له في ذلك عن أن تقوم فيه : أي يصلي أبداً، ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من يوم بنيانه على التقوى، وهي طاعة الله وطاعة رسوله وجمعاً لكلمة المؤمنين وموئلاً للإسلام وأهله، ولهذا قال تعالى : لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ، والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال :« صلاة في مسجد قباء كعمرة »، وفي « الصحيح » أن رسول الله ﷺ كان يزور مسجد قباء راكباً وماشياً، وفي الحديث : أن رسول الله ﷺ لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف، كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة والله أعلم. قال الإمام أحمد، « عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال :» إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به «؟ فقالوا : يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا »، وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف. وقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله ﷺ الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية وبين هذا لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى؛ ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في « مسنده »، عن سهل بن سعد الساعدي قال :

صفحة رقم 1085

« اختلف رجلان على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الذي أسس على التقوى، أحدهما قال : هو مسجد رسول الله ﷺ، وقال الآخر : هو مسجد قباء، فأتيا النبي ﷺ فسألاه فقال :» هو مسجدي هذا « وفي رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري قال :» تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال أحدهما : هو مسجد قباء، وقال الآخر : هو مسجد رسول الله ﷺ :« هو مسجدي هذا » وقال الإمام أحمد، عن أبي سعيد عن أبيه أنه قال :« تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل : هو مسجد قباء، وقال الآخر : هو مسجد رسول الله ﷺ : فقال رسول الله ﷺ :» هو مسجدي «.
طريق آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى عن أنيس بن يحيى، حدثني أبي، قال : سمعت أبا سعيد الخدري قال :»
اختلف رجلان، رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري : هو مسجد رسول الله ﷺ، وقال العمري : هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك، فقال :« هو هذا المسجد »، لمسجد رسول الله ﷺ، وقال في ذلك يعني مسجد قباء. وقد قال : بأنه مسجد النبي ﷺ جماعة من السلف والخلف، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير، وقوله : لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ والله يُحِبُّ المطهرين ، دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات، وقال الأمام أحمد :« عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح، فقرأ الروم فيها فأوهم، فلما انصرف قال :» إنه يلبس علينا القرآن، إن أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا، فليسحن الوضوء «، فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها، وقال أبو العالية في قوله تعالى : والله يُحِبُّ المطهرين إن الطهور بالماء لحسن ولكنهم المطهرون من الذنوب، وقال الأعمش : التوبة من الذنوب والتطهر من الشرك.

صفحة رقم 1086

تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية