قلت : قرأ نافع وابن عامر : بغير واو ؛ مبتدأ حذف خبره، أي : معذبون، أو في :( لا تقم فيه أبداً )، أو في قوله :( لا يزال )، أو صفة لقوله :( وآخرون )، على من يقول : إن " المُرْجَوْن " غير الثلاثة المخلفين، بل في المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنيانهم مسجد الضرار. وهو قرأ بالواو فعطف على قوله :( آخرون )، أو مبتدأ حُذف خبره، أي : وممن وصفنا : الذين، أو منصوب على الذم، و( ضراراً ) وما بعده : علة، وأصل ( هارٍ ) : هائر، فأخرت الهمزة، ثم قلبت ياء، ثم حذفت ؛ لالتقاء الساكنين.
أفمن أَسسَ بُنيانه على تقوى مِنَ الله ورضوان ؛ بأن قصد به وجه الله، وابتغاء مرضاته، فَحسُنت النية في أوله، خيرٌ أم من أسس بنيانه على قصد الرياء والمنافسة، فكأنه بنى على شفَا أي : طرف جُرُفٍ : حفرة هَارٍ أي : واهٍ ضعيف، أشرف على السقوط، أو ساقط، فانهار به في نار جهنم أي : طاح في جهنم، وهذا ترشيح للمجاز، فإنه لما شبهه بالجرف وصفه بالانهيار، الذي هو من شأن الجرف، وقيل : إن ذلك حقيقة، وإنه سقط في جهنم، وإنه لم يزل يظهر الدخان في موضعه إلى قيام الساعة.
والاستفهام للتقرير، والذي أُسس على التقوى والرضوان : هو مسجد قباء، أو المدينة، على ما تقدم، والذي أسس على شفا جرف هار هو مسجد الضرار، وتأسيس البناء على التقوى هو تحسين النية فيه، وقصد وجه الله، وإظهار شرعه، والتأسيس على شفا جرف هار هو فساد النية وقصد الرياء، والتفريق بين المؤمنين، وذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البالغ. قاله ابن جزي : والله لا يهدي القوم الظالمين إلى ما فيه صلاح ونجاه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي