نزلت هذه الآيات الأربع في واقعة حال من مكايد المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم و للمؤمنين، لم أرى أحدا بين حكمة خاصة لتأخيرها عن أمثالها مما نزل في أعمال المنافقين. ووضعها هنا في سياق توبة المذنبين من المؤمنين : ما تقدم منها فقبل، وما تأخر فأرجئ، وقد بينا الحكمة العامة في تفريق الآيات في الموضوع الواحد ـ وهو تجديد الذكرى والعظة، وما تقتضيه من التأثير والعبرة ـ في مواضع متعددة من الكلام على التناسب ووجوه الاتصال بين الآيات. ولعل بعض ضعفاء المؤمنين كانوا قد شايعوا أولئك المنافقين الاثني عشر الذين بنوا مسجد الضرار في عملهم جاهلين مقاصدهم منه، فأريد بوضع القصة وإبهام عطفها على من أرجأ الله الحكم في أمرهم أن يتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه، ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم، ولو بصلاتهم معهم في مسجدهم.
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوى مِنَ اللّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ هذا بيان مستأنف للفرق بين أهل المسجدين في مقاصدهما منهما : أهل مسجد الضرار الذي زادوا به رجسا إلى رجسهم، وأهل مسجد التقوى وهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنصاره الذين يحبون أكمل الطهارة لظاهرهم وباطنهم، فاستفادوا بذلك محبة الله لهم، وورد بصيغة استفهام التقرير، لما فيه من تنبيه الشعور وقوة التأثير، والبنيان مصدر كالعمران والغفران، ويراد به المبني من دار أو مسجد وهو المتعين هنا. وتقدم آنفا معنى التأسيس، والشفا ( بالفتح والقصر ) الحرف، والشفير للجرف والنهر وغيره. والجرف ( بضمتين ) جانب الوادي ونحوه الذي يتحفر أصله بما يجرفه السيل منه فيجتاح أسفله فيصير مائلا للسقوط، والهار الضعيف المتصدع المتداعي للسقوط، وهذا التعبير يضرب مثلا لما كان في منتهى الضعف والإشراف على الزوال، وهو من أبلغ الأمثال، لمنتهى الوهي والانحلال.
المراد بالمثل هنا بيان ثبات الحق الذي هو دين الإسلام وقوته ودوامه، وسعادة أهله به، وذكره بأثره وثمرته في عمل أهله وجماعها التقوى، وبجزائهم عليه وأعلاه رضوان الله تعالى، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله، ووهيه وقرب زواله، وخيبة صاحبه وسرعة انقطاع آماله، وشر أهله المنافقين، وشر أعمالهم ما اتخذوه من مسجد الضرار للمفاسد الأربعة المبينة في الآية الأولى من هذا السياق.
وقد ذكر في وصف بنيان الفريق الأول -وهم المؤمنون- المشبه دون المشبه به لأنه المقصود بالذات، ولم يذكر فيما قبله من عملهم إلا المبالغة في الطهارة. وذكر من وصف بنيان الفريق الثاني الهيئة المشبه بها دون المشبه، لأنه ذكر فيما قبل مقاصدهم منها كلها، وهذا من دقائق إيجاز القرآن.
نقول في المعنى الجامع بين المشبه به في الفريقين : أفمن أسس بنيانه الذي يتخذه مأوى وموئلا له، يقيه من فواعل الجو وعدوان كل حي، وموطنا لراحته، وهناء معيشته، على أمتن أساس وأثبته، وأقواه على مصابرة العواصف والسيول، وصد الهوام والوحوش هو خير بنيانا وراحة وأمانا ؟ أم من أسس بنيانه على أوهى القواعد وأقلها بقاء واستمساكا، فهي عرضة للانهيار، في كل لحظة من ليل أو نهار ؟
وأما معنى المشبه المقصود بالذات في كل منهما فيصور هكذا : أفمن كان مؤمنا صادقا يتقي الله في جميع أحواله، ويبتغي رضوانه في أعماله، بتزكية نفسه بها ونفع عياله، - والخلق كلهم عيال الله كما ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفمن كان كذلك خير عملا، وأفضل عاقبة وأملا، وممن نزل فيهم إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً [ الكهف : ١٠٧ ]، أم من هو منافق مرتاب، مراء كذاب، يبتغي بأفضل مظاهر أعماله الضرر والضرار، وتقوية أعمال الكفر وموالاة الكفار، وتفريق جماعة المؤمنين الأخيار، والإرصاد لمساعدة من حارب الله ورسوله من الأشرار، وما يكون من عاقبة ذلك في الدنيا من الفضيحة والعار، والخزي والبوار، وفي الآخرة من الانهيار في نار جهنم وبئس القرار ؟
وفي معنى هذا المثل أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا [ الرعد : ١٧ ] الآية وخلاصة المثلين أن الإيمان الصادق، وما يلزمه من العلم الصالح، هو المثمر الثابت، وأن النفاق وما يستلزمه من العمل الفاسد، هو الباطل الزاهق، وهذا المعنى يوافق قول علماء الكون أنه لا يتنازع شيئان في الوجود إلا ويكون الغالب هو الأصلح منهما. ويسمون هذه السنة ( ناموس الانتخاب الطبيعي وبقاء الأمثل )، وسبق بيانه في هذا التفسير.
صدق الله العظيم، فقد ثبت الله المؤمنين بالقول الثابت، وهداهم بإيمانهم إلى العمل الصالح، ففتحوا البلاد، وأقاموا الحق والعدل في العباد، وأهلك الله المنافقين، لا يفقهون ولا يعتبرون، وشر النفاق وأضره نفاق العلماء، للملوك والأمراء.
وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي مضت سنته في ارتباط العقائد والأخلاق بالأعمال، بأن الظالم لا يكون مهتديا في أعماله إلى الحق والعدل، فضلا عن الرحمة والفضل، ولا أظلم في الناس من المنافقين كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ واللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ آل عمران : ٨٦ ].
تفسير المنار
رشيد رضا