والجهاد لاعلاء كلمة الحق ودفع عدوان أهل الباطل عن المؤمنين.
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي والله عليم بما يصلح حال عباده ويربّيهم ويزكيهم أفرادا وجماعات، حكيم فيما يشرعه لهم من الأحكام المفيدة لهذا الصلاح إذا عملوا بها:
ومن هذه الحكمة إرجاء النص على توبتهم فى كتابه، كما أن تكرار تلاوتها فى مختلف الأوقات مما يوقع فى قلوب المؤمنين الرهبة والخوف ويفيدهم عظة وتهذيبا.
[سورة التوبة (٩) : الآيات ١٠٧ الى ١١٠]
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)
تفسير المفردات
الضرار والمضارّة: محاولة إيقاع الضرر، والإرصاد: الانتظار والترقب مع العداوة يقال رصدته: أي قعدت له على طريقه أترقبه، وأرصدت هذا الجيش للقتال، وهذا الفرس للطراد، ولا تقم أي لا تصلّ، والتأسيس: وضع الأساس للبناء ليقوم عليه ويرفع، والتقوى: اسم لما يرضى الله ويقى من سخطه، وشفا أي حرف والجرف
(بضمتين) : جانب الوادي ونحوه، والهار والهائر كالشاك والشائك: الضعيف المتداعى للسقوط، وانهار: سقط، والريبة: من الرّيب، وهو اضطراب النفس وتردد الوهم والحيرة، وتقطع: أي تفرق أجزاء.
المعنى الجملي
هذه الآيات نزلت فى بيان مكيدة من مكايد المنافقين لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، وذكرت هنا لما فيها من العبرة والعظة والذكرى بإيهام عطفها على من أرجا الله الحكم فى أمرهم ليتعظ أولئك الغافلون من المؤمنين المغرورين بمسجد الضرار ومتخذيه ويخافوا أن يؤاخذوا بمشايعتهم لهم ولو بصلاتهم معهم فى مسجدهم.
روى فى سبب نزول الآيات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، كان قد تنصّر وقرأ علم أهل الكتاب وكان له منزلة كبيرة فيهم، فلما قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرا واجتمع عليه المسلمون وعلت كلمة الإسلام وأظهره الله على أهل الشرك خرج فارّا إلى مكة وألبّ المشركين على النبي ﷺ فى وقعة أحد وخاطب قومه الأنصار ليستميلهم إلى نصره فسبوه وردوه أقبح رد، ولما فرغ الناس من الموقعة فر إلى هرقل ملك الروم يستنصره فوعده وحباه وكتب أبو عامر إلى جماعة من قومه من أهل النفاق أنه سيقدم بجيش يقاتل به محمدا ويغلبه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يأوى إليه من يقوم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا فى بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموا بناءه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك، وجاءوا فسألوه أن يصلى فى مسجدهم ليكون ذلك ذريعة إلى تقريره لإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة فى الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: «إنا على جناح سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله».
ولما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين فى مسجدهم (مسجد قباء) الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول الله ﷺ إلى ذلك المسجد من يهدمه قبل مقدمه المدينة وأمر أن يتّخذ كناسة تلقى فيها القمامة إهانة لأهله.
الإيضاح
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ).
روى أن الذين اتخذوا هذا المسجد كانوا اثنى عشر رجلا من منافقى الأوس والخزرج، وقد بين الله الأغراض التي لأجلها بنى، وهى:
(١) مضارة المؤمنين من أهل مسجد قباء الذي بناه رسول الله ﷺ مقدمه من مكة مهاجرا قبل وصوله إلى المدينة.
(٢) تقوية الكفر وتسهيل أعماله من فعل وترك، كتمكين المنافقين من ترك الصلاة هناك مع خفاء ذلك على المؤمنين لعدم اجتماعهم فى مسجد واحد، والتشاور فيما بينهم فى الكيد لرسول الله ﷺ والطعن فيه إلى نحو أولئك من مقاصد المنافقين.
(٣) التفريق بين المؤمنين المقيمين هنالك، فإنهم كانوا يصلون جميعا فى مسجد قباء، وفى ذلك حصول التعارف والتآلف والتعاون وجمع الكلمة وهى أهم مقاصد الإسلام الاجتماعية، ومن ثم كان تكثير المساجد وتفريق الجماعة منافيا لأغراض الدين ومراميه، ومن الواجب أن يصلى المسلمون الجمعة فى مسجد واحد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فإن تفرقوا عمدا كانوا آثمين.
ومن هذا يعلم أن بناء المساجد لا يكون قربة يتقبلها الله إلا إذا دعت الحاجة
إلى ذلك، ولم يكن سببا لتفريق جماعتهم، فكثير من المساجد المتقاربة فى القاهرة وغيرها من الأمصار الأخرى لم تبن لوجه الله بل كان الباعث على ينائها الرياء واتباع الأهواء من جهلة الأفراد والأثرياء وعدم نصح العلماء لهم.
(٤) الانتظار والترقب لمن حارب الله ورسوله أن يجىء محاربا فيجد مكانا مرصدا له، وقوما راصدين مستعدين للحرب معه، وهم أولئك المنافقون الذين بنوا هذا المسجد مرصدا لذلك.
(وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) أي وليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الخصلة التي تفوق غيرها فى الحسن، وهى الرفق بالمسلمين وتيسير صلاة الجماعة على أولى العجز والضعف ومن يحبسهم المطر منهم، ليصدقهم الرسول ﷺ وليصلى معهم، والله يعلم إنهم لكاذبون فى إيمانهم لأنهم ما بنوه إلا للسوءى وضرار مسجد قباء.
(لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً) أي لا تقم فى هذا المسجد للصلاة أبدا.
(لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) أي إن مسجدا قصد ببنائه منذ وضع أساسه فى أول يوم تقوى الله بإخلاص العبادة له وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البر والتقوى- هو أحق من غيره أن تقوم فيه أيها الرسول مصليا بالمؤمنين.
والسياق يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، ولكن
روى أحمد ومسلم والنسائي أن النبي ﷺ سئل عنه فأجاب بأنه مسجده الذي فى المدينة
، والآية لا تمنع إرادة كل من المسجدين، لأن النبي ﷺ قد بنى كلا من المسجدين ووضع أساسه على التقوى من أول يوم شرع فيه ببنائه.
(فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) أي فيه رجال يعمرونه بإقامة الصلاة وذكر الله وتسبيحه فيه بالغدو والآصال، ويحبون أن يتطهروا بذلك مما يعلق بأنفسهم من أوضار الذنوب والآثام، كما تطهر المتخلفون منهم من غزوة تبوك بالتوبة والصدقات، ويتبع
العمارة المعنوية بالعكوف فيه للصلاة وغيرها- الطهارة الحسية للثوب والبدن، وطهارة الوضوء والاغتسال.
والخلاصة- إن التطهر يشمل الطهارتين النفسية والبدنية، والروايات وردت بكل منهما، والأولى إرادتهما معا.
(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) أي الذين يبالغون فى طهارة الروح والجسد لحبهم إياهما، لأنهم يرون فيهما الكمال الإنسانى، فمن ثم يبغضون نجاسة البدن والثوب، وأشد منهما بغضا لهم نجاسة النفس وخبثها بالإصرار على فعل المعاصي والتخلق بذميم الأخلاق كالرياء فى الأعمال إذ هو فعل المنافقين، والشح بالأموال أو بالأنفس فى سبيل الله ابتغاء لمرضاته.
وحب الله إياهم من صفات كماله، إذ العالم بتفاوت الأشياء فى الحسن والقبح والكمال والنقص يكون من صفاته حب الكمال والحق والخير وبغض أضدادها.
وحبه تعالى منزه عن مشابهته حبنا كتنزه ذاته وسائر صفاته عن مشابهة ذواتنا وصفاتنا، ويظهر أثر حبه لعباده فى أخلاقهم وأعمالهم ومعارفهم وآدابهم كما أشار إليه
الحديث القدسي الذي رواه البخاري «ولا يزال عبدى يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» الحديث.
وفى معنى الآية ما جاء فى عظة نساء النبي ﷺ وأمرهن باتباع أوامره ونواهيه بما يليق بما لهن من مكانة من رسول الله ﷺ وتعليم ذلك بقوله:
«إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً».
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ، أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ) هذا بيان مستأنف للفرق بين مقاصد أهل مسجد التقوى وهم الرسول ﷺ وأنصاره، ومقاصد أهل مسجد الضرار الذي زادوا به رجسا إلى رجسهم.
والأساس على شفا الجرف الهارى، مثل يضرب لما يكون فى منتهى الوهي والانحلال والإشراف على الزوال، أي أفمن أسس بنيانه الذي يتخذه موطنا لراحته وهناء معيشته ويتقى به العوامل الجوية، وعدوان الكائنات الحية على أمتن الأسس وأقواها على مصابرة العواصف والسيول وصد الهوامّ والوحوش- خير بنيانا، أم من أسس بنيانه على أوهى القواعد وأقلها بقاء واستمساكا فكانت عرضة للانهيار فى كل حين من ليل أو نهار؟.
وقد ضرب الله مثل البنيان على تينك الصفتين لبيان حال الفريقين المتقدمين من صدق الإيمان، والنفاق والارتياب، أي أفمن كان مؤمنا صادقا يتقى الله فى جميع أحواله ويبتغى مرضاته فى جميع أعماله، قاصدا تزكية نفسه وإصلاح سريرته- خير أم من هو منافق مرتاب، يبتغى بأعماله الضرر والضرار وتقوية أعمال الكفر وموالاة الكفار وتفريق جماعة المؤمنين والإرصاد لمساعدة من حارب الله ورسوله مع ما يكون لعمله فى الدنيا من العار والفضيحة والخزي والبوار، وفى الآخرة من الانهيار فى النار.
وخلاصة المثل- بيان ثبات الإسلام وقوته وسعادة أهله به وثمرته فى أعمالهم وجزائهم عليه برضوان الله عنهم، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله ووهيه وقرب زواله وخيبة صاحبه وسرعة انقطاع آماله، وبيان أن شر أعمال أهله المنافقين، ما اتخذوه من مسجد الضرار لمفاسده الأربع المتقدمة.
فالإيمان وما يلزمه من صالح العمل هو الثابت، والنفاق وما يستلزمه من فاسد العمل هو الباطل الزاهق بحكم ناموس الاجتماع وبقاء الأصلح فى الوجود، وقد صدق الله وعده وثبّت المؤمنين بالقول الثابت، وهداهم إلى العمل الصالح ففتحوا البلاد وأقاموا سبل الحق والعدل، وأهلك المنافقين، وقد جرت سنته فى كل زمان ومكان أن يكون الفوز حليف أهل الحق، والخيبة لأهل الباطل ما استمسكوا به، ولم يقلعوا عنه.
(وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي مضت سنته تعالى ألا يكون الظالم مهتديا فى أعماله إلى الحق والعدل ولا إلى الرحمة والفضل:
(لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) أي لا يزال بنيانهم سبب ريبة وشك فى الدين، لأنهم يظهرون فيه حال قيامه ما فى قلوبهم من آثار الكفر والنفاق ويدبرون أمورهم ويتشاورون فى ذلك ويلقى بعضهم إلى بعض ما سمعوا من أسرار المؤمنين مما يزيدهم ريبة وشكا فى الدين، وحين أمر ﷺ بتخريبه وهدمه ثقل ذلك عليهم وعظم خوفهم وارتابوا فى أمرهم: أيتركون على حالهم أم يؤمر بهم فيقتلون وتنهب أموالهم، إلى أنهم اعقدوا أنهم كانوا محسنين فى البناء، فلما أمر بتخريبه أصبحوا شاكين فى أمره، ولأى سبب كان ذلك.
ولا يزال هذا شأنهم فى جميع الأحوال إلا حال تقطع القلوب أفلاذا وصيرورتها جذاذا، فتكون غير قابلة للإدراك.
وفى هذا إيماء إلى أن تمكن الريبة فى قلوبهم وإضمار الشرك بحيث لا يزول منها ماداموا أحياء.
والخلاصة- إنه لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا سببا للقلق واضطراب النفس وإن ذلك لا يزول ما دامت القلوب سالمة- أما إذا تفرقت قطعا وتقطعت أجزاء بقتلهم فحينئذ يسلون عنه.
وقد يكون المراد: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي والله عليم بكل شىء، حكيم فى أفعاله، ومن حكمته أن بيّن حال المنافقين وأظهر ما خفى من أمرهم لتعرفوا كنه الحقيقة فى ذلك.
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي