ثم يقول سبحانه :
أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا١ جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين( ١٠٩ ) .
وقوله : أفمن استفهام٢، وكأنه يقول : وكيف تساوون بين مسجد أسّس على التقوى من أول يوم، ومسجد اتخذ للضرار وللكفر ولتفريق جماعة المسلمين وإرصاد لمن حارب الله ؟
إنهما لا يستويان أبدا، وساعة يطرح الحق هذه العملية بالاستفهام فسبحانه واثق من أن عبده سيجيب بما يريد الله.
وقوله الحق : أفمن أسس٣ بنيانه نجد كلمة " بنيان " وهي مصدر ؛ " بنى " " بنيانا " لن أطلق على الشيء المبني، فنقول : إن هذا البيان جميل، أو نقول مثلا : إن طراز هذا البنيان فرعوني.
إذن : هناك فرق بين عملية البناء وبين الشيء الذي ينشأ من هذه العملية، وكلمة البنيان اسم جنس جمعى٤ ؛ لأنه يصح أن يكون جمعا ومفرده " بنيانة " مثلما نقول :" رمان "، ومفرده " رمانة " و " عنب " ومفرده " عنبة " وأيضا " روم " مفرده " رومى " فياء النسب هنا دخلت على الجمع فجعلته مفردا. إذن : يفرق بين الواحد والجمع، إما بالياء وإما بالتاء.
وقد حكم سبحانه بألا يصلوا في مسجد الضرار، وعليهم أن يصلوا في المسجد الآخر، وهو مسجد قباء، ثم يرد سبحانه الأمر إلى المؤمنين، ليعرفوا أن ما حكم به سبحانه هو ما تقبله العقول، وأن حكمهم يوافق حكم ربهم.
ثم يقول سبحانه : أم من أسس بنانه على شفا جرف هار فانهار به في جهنم وهنا ثلاث كلمات : شفا، جرف، وهار. والشفا مأخوذ من الشّفة، و " الشفا " حرف الشيء وطرفه. وسكان سواحل البحار يعرفون أن البحار لها نحر من تخت الأرض، وتجد الماء يحفر لنفسه مساحة تحت الأرض ويترك شفة من الأرض، ولو سار عليها الإنسان لوقع ؛ لأنها الطرف الذي ليس له قاعدة وأسفله منحور.
و " شفا جرف " أي طرف سينهار ؛ لأنه " هار " أي غير متماسك، فتكون الصورة أن الماء ينحر في الساحل، فيصنع شفة لها سطح وليس لها قاعدة تحتها، وهذه اسمها " شفا جرف ".
وقد قال القرآن في موضع آخر :
{ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها... ( ١٠٣ ) ( آل عمران )إنها الحفرة في النار، فكيف يكون شكلها ؟ لا بد أنه مرعب.
ونحن نعلم أنهم كانوا حين يحفرون الآبار ليأخذوا منها الماء، كانوا يضعون في جدار البئر أحجارا تمنع ردمه ؛ لأن البئر إن لم يكن له جدار من حجارة قد ينهار بفعل سقوط الرمال من على فوهته، وهكذا تمنع الأحجار أي جزء متآكل من سطح البئر من الوقوع فيه، والجزء المتآكل هو جرف هار، وهكذا كان مسجد الضرار، ينهار بمن فيه في نار جهنم.
ويذيل الحق الآية : والله لا يهدي القوم الظالمين وهم كانوا ظالمين بالنفاق، لذلك لم يهدهم الله إلى عمل الخير ؛ لأن الله لا يهدي الظالم.
وسبحانه يقول في أكثر من موضع بالقرآن :{ والله لا يهدي القوم الفاسقين ( ١٠٨ ) ( المائدة )
ويقول سبحانه : والله لا يهدي القوم الكافرين( ٢٦٤ ) ( البقرة ).
ويقول عز وجل : والله لا يهدي القوم الظالمين ( ٢٥٨ ) ( البقرة )
والهداية –كما علمنا من قبل- قسمان : هداية الدلالة، وهي لجميع الخلق ويدل بها الناس على طريق الخير، ولهم أن يسلكوه أو لا يسلكوه، فهم أحرار، فلله هداية شملت الجميع، وهي هداية الدلالة، أما الهداية المنفية هنا فهي هداية المعونة.
٢ جاء الاستفهام هنا بالهمزة، وهي ترد لطلب التصور والتصديق، بخلاف هل، فإنها للتصديق خاصة، وسائل أدوات الاستفهام للتصور خاصة. (الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٢/١٤١) والاستفهام هنا استفهام معناه التقرير، أي تقرير أن من أسس بنيانه على تقوى الله خير ممن أسس بنيانه على شفا جرف هار..
٣ أسس بنيانه: أقامه على أساس قوي وعلى قواعد راسخة..
٤ اسم الجنس الجمعي: هو ما له مفرد يشاركه في لفظه ومعناه معا، ولكن يمتاز المفرد بزيادة تاء التأنيث في آخره أو ياء النسب. قال الفيروزي بادي "بصائر دوي التمييز" (ص٢٧٧): " البنيان، واحد لا جمع له. وقال بعضهم: جمع واحدته "بنيانه" على حد "نخلة ونخل" وهذا النحو من الجمع يصح تذكيره وتأنيثه"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي